الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

310

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

رفع الوجوب لا يستلزم الإذن في الترك إذ قد يكون مسكوتا عنه أو خاليا عن الحكم ويضعفه بأنه إما أن يقال بكون استلزام رفع المانع من الترك للإذن فيه عقليا بأن يكون مفاده الإذن في الترك بعد المنع منه مساوقا لرفع المنع من تركه وحينئذ فلا ريب في حصول ذلك عند رفع الوجوب أيضا إلا أن يقال بكونه لازما عرفيا له حيث إن مفاد رفع المنع من الترك عرفا هو الإذن فيه وإن كان الإذن في الترك غير لازم لرفع المنع منه عقلا وحينئذ فلا ريب أيضا في كون المفهوم العرفي من قوله لا يجب عليك هذا الفعل كونه مأذونا في تركه فلا وجه للفرق بين الوجهين وعلى الثاني بأنه لما كان قضية الأصل بقاء الإذن كان النسخ متعلقا بخصوص المنع من الترك وحينئذ فيضم الإذن في الترك إلى الإذن في الفعل على انضمام الفصل أعني الإذن في الترك إليه مانعا في جريان الاستصحاب نظرا إلى عدم العلم بحصول ما يتوقف عليه فإنه إما أن يراد بعدم العلم بحصول ما يتوقف عليه عدم العلم بحصوله في نفسه أو عدم العلم بحصول انضمامه إليه أما الأول فقد عرفت وهنه وأما على الثاني فلأن مجرد الاستصحاب قاض بحصوله فإنه إذا كان الإذن في الترك حاصلا وكان الإذن في الفعل مستصحبا حصل انضمام أحدهما إلى الآخر ولا يعارض الاستصحاب المذكور أصالة عدم الانضمام فإن الانضمام أمر اعتباري عن توابع الاستصحاب المذكور وضرورياته وقد عرفت أن أصالة عدم التابع لا يعارض استصحاب المتبوع والحاصل أنه يتوقف استصحاب الجنس على حصول ما ينضم إليه من أحد الفصول فإذا حصل ذلك الفعل حصل الانضمام من استصحابه ثم إنه قد بقي في كلامه أمور أحدها أنه إن أراد بالإذن في الترك هو الإذن المساوي للإذن في الفعل لم يتجه جعله لازما لرفع الوجوب فإن اللازم له هو الإذن الأعم وإن أراد به المعنى الأعم لم يتجه عده فضلا للإذن في الفعل ضرورة كونه معنى إبهاميا مشتركا بين الأحكام الأربعة كالإذن في الفعل مع انضمام أحدهما إلى الآخر إنما يقل الاشتراك لدورانه حينئذ بين أحكام ثلاثة فكيف يعقل حينئذ تحصيله به وخروجه عن الإبهام ثانيها أن المستفاد من كلامه أنه لو تعلق النسخ بالمنع من الترك صح ما ذكر من الاستدلال فيحكم حينئذ ببقاء الجواز إلا أنه خارج عن محل الكلام وقد عرفت وهنه بأن الوجوب معنى بسيط بحسب الخارج فبعد ارتفاع المنع من الترك يرتفع الوجوب من أصله سواء جعلناه فصلا له أو لازما ثالثها أن إخراج الصورة المذكورة عن محل الكلام كما يفيد صريح قوله إذ النزاع في النسخ الواقع بلفظ نسخت الوجوب ونحوه غير متجه حسب ما مرت الإشارة إليه قوله والمقتضي للمركب مقتض لأجزائه لا يخفى أن المقتضي للمركب إنما يكون مقتضيا لأجزائه من حسب اقتضائه للمركب فإذا فرض ارتفاع المركب ارتفع اقتضاؤه لأجزائه إذ الاقتضاء بالنسبة إليها استقلالا وإنما هي مقتضاه باقتضائه للكل ومع الغض عن ذلك فالمراد بكون الأمر مقتضيا للجواز اقتضاؤه إياه ابتداء واستدامة فإن أريد الأول فممنوع ولا يفيد المدعى وإن أريد الثاني فممنوع وكونه مقتضيا للجواز حال اقتضائه الوجوب لا يقضي بحصول الاقتضاء مع ارتفاع الوجوب وإن كان رفع المركب بارتفاع أحد جزئيه وارتفاعها معه فإنه إذا جاز الوجهان ولم يعلم خصوص أحدهما لم يكن في اللفظ اقتضاء ودلالة على خصوص الوجهين فيكون ذلك نظير العام المخصص بالمجمل وكما لا يحكم هناك بإخراج الأقل وإدراج غيره تحت العام بل يتوقف في الحكم إلى أن يجيء البيان فكذا في المقام فليس إذن في الأمر اقتضاء لبقاء الجواز إلا أن يقال إن المقصود أن ثبوت الجواز في ضمن ثبوت الوجوب قاض ببقائه من جهة الاستصحاب فليس المقصود الاستناد إلى الدلالة اللفظية وكون اللفظ مقتضيا لبقاء الجواز بل يمكن المقتضي له هو الاستصحاب بعد دلالة اللفظ على حصوله وحينئذ يرد عليه ما مرت الإشارة إليه قوله لأن الفصل علة لوجود الحصة التي إلى آخره كان مرادهم بعلية الفصل الجنس أن وجود الجنس مسند إلى وجود الفصل بأن يكون المتأصل بحسب الوجود في الخارج هو الفصل ويكون الجنس موجودا بوجود الفصل تبعا له لاتحاده به فهناك وجود واحد ينسب أصالة إلى الفصل وتبعا للجنس وهما متحدان بحسب الوجود نعم يتصور العلية الحقيقية في الأنواع المركبة بين ما يحاذي الفصل والجنس فإنهما متغايران بحسب الوجود وقد يقال إن المراد من علية الفصل للجنس أنه علة لصفات الجنس في الذهن ربط لذلك بانتفاء الجنس في الخارج من جهة انتفاء الفصل كالتعيين وزوال الإبهام فهو علة له من حيث إنه موصوف بتلك الصفات وإلا فليس علة له بالفعل وإلا لزم أن لا يعقل الجنس بدون الفصل ولا في الخارج ولا تغايرا في الوجود وامتنع الحمل وأنت خبير بما فيه كيف ولو أريد بذلك لم ينفع المستدل في شيء من الجنس حسب ما ادعاه المستدل قوله فقال إنهما معلولان لعلة واحدة لا يخفى أن القول المذكور أيضا كاف في ثبوت ما يريده المستدل فإنهما إذا كانا معلولين لعلة واحدة كان زوال أحدهما كاشفا عن زوال علة القاضي بزوال المعلول الآخر فالمتمسك في رفع الاستدلال بقيام هذا الاحتمال مما لا وجه له ويدفعه أنه ليس المقصود من إبداء الاحتمال المذكور إلا دفع الحكم بكون الفصل علة للجنس وبيان كون ذلك من المسائل الخلافية والمقصود من ذلك عدم وضوح الحال في المسألة لا حصر الوجه فيه في القولين المذكورين حتى يقال بكون كل منهما كافيا في إثبات المقصود قوله ولا نسلّم ارتفاعه مطلقا إلى آخره ما ذكره ظاهر بالنسبة إلى بعض العلل الناقصة كالشرائط وأما العلة المقومة لوجود المعلول فلا يعقل ذلك فيه سيما في المقام لما عرفت أنه لا تغاير بحسب الخارج بين الجنس والفصل وأنهما متحدان في الوجود متغايران في لحاظ العقل وتحليله وحينئذ فيقال إن الموجود بالذات هو الجنس والفصل إنما يوجد تبعا له من جهة الاتحاد به فكيف يعقل حينئذ بقاء وجود الجنس بذلك الوجود بعد انتفاء الفصل المفروض غاية الأمر إمكان حصول حصة أخرى منه بوجود فصل آخر قوله مقتضى ثبوت الإذن فيه قد عرفت أنه إن أراد اقتضاءه للإذن في الفصل في الوجه الشامل للإباحة وغيرهما مما عدا الجزئية فممنوع فليس فصلا وإن أراد اقتضاءه للإذن في الفعل على الوجه الذي يساوي الترك فممنوع قوله فظهر أنه ليس للمدعي إلى آخره هذا صريح في كون المراد بقولهم بقي الجواز في عنوان المسألة هو الجواز بالمعنى الأخص وقد عرفت