الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
29
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
عاما أصوليا ليكون الوضع عاما والموضوع له خاصّا لصحة وقوع الترخيص وضع التوابع اللاحقة للكلمات كقولهم عطشان بطشان وخراب مراب وحرج ومرج ونحوها فإن تلك الألفاظ وإن كانت مهملة في أصلها إلا أن الواضع له قد رخص في استعمالها في مقام الاتباع إشباعا عارفا وتأكيد أو ذلك أيضا نحو من الوضع حسبما أشرنا إليه ومن الوضع الترخيصي النوعي أيضا وضع الحكايات بإزاء المحكي والثمرة المتفرعة على الترخيص المذكور جواز استعمال اللفظ في ذلك بحسب اللغة دون إفادته الدلالة عليه لحصولها بدون اعتباره كما أشرنا إليه في المجاز الخامسة [ في بيان تقسيم الوضع والموضوع له والمعنى المتصور حال الوضع . ] ينقسم الوضع باعتبار الموضوع له والمعنى المتصور حال الوضع إلى أقسام أربعة وتفصيل القول في ذلك أن من البين توقف الوضع على ملاحظة المعنى وتصوره فإما أن يكون المعنى الذي يتصوره حينئذ الواضع أمرا جزئيا غير قابل الصدق على كثيرين أو كليا شاملا للجزئيات وعلى التقديرين فإما أن يضع اللفظ لعين ذلك المعنى الذي تصوره أو لغيره أو مما يعمه ويندرج تحته بأن يجعل ذلك المعنى عنوانا له ومرآة لملاحظته ليصح له بذلك ومعنى اللفظ بإزائه فهذه وجوه أربعة لا سبيل إلى الثاني منها ضرورة أن الخاص لا يمكن أن يكون عنوانا للعام ومرآة لملاحظته إلا أن يكون مقياسا لتصوره كان يتصور جزئيا من الجزئيات ويضع اللفظ بإزاء نوعه وخروجه وهو خروج عن المفروض لتصور ذلك الأمر العام حينئذ بنفسه وإن كان ذلك بعد تصور الخاص فيبقى هناك وجوه ثلاثة أحدها أن يتصور معنى جزئيا غير قابل لصدقه على كثيرين ويضع اللفظ بإزائه فيكون الوضع خاصّا والموضوع له أيضا خاصّا ولا خلاف في وقوعهما كما هو الحال في الأعلام الشخصية وفي معناه ما إذا تصور مفهوما جزئيا وجعله مرآة لملاحظة مفهوم آخر يتصادقان فيضع اللفظ بإزاء ذلك الآخر كما إذا تصوّر زيدا بعنوان هذا الكتاب ووضع اللفظ بإزائه وثانيها أن يتصور مفهوما عاما قابل الصدق على كثيرين ويضع اللفظ بإزائه فيكون كل من الوضع والموضوع له عاما وهو أيضا مما لا كلام في تحققه كما هو الحال في معظم الألفاظ ومناقشة بعض الأفاضل في جعل هذه الصورة من قبيل وضع العام نظرا إلى أنه لا عموم في الوضع لتعلقه إذن بمفهوم واحد ليست في محلها بعد كون المقصود من عموم الوضع كما نصوا عليه ونبه عليه ذلك الفاضل عموم المعنى الملحوظ في حال الوضع لا نفس الوضع فلا مشاحة في الاصطلاح ومع الغض عن ذلك فمفهوم الموضوع له وشموله لأفراده يقضي بعموم الوضع أيضا لسريانه إلى جميع المصاديق المندرجة في ذلك الأمر العام فيصح إطلاق ذلك اللفظ عليها على سبيل الحقيقة من حيث انطباقها على تلك الطبيعة المتحدة معها وحيث إن العام الملحوظ في المقام هو العام المنطقي فلا يندرج فيه العام الأصولي لعدم صدقه على كل من جزئياته فعلى هذا قد يتوهم كون الوضع فيه من قبيل القسم الأول وليس كذلك فإن معنى العموم أيضا كلي منطقي بالنسبة إلى مواده وإن لم يكن كذلك بالنظر إلى الجزئيات المندرجة فيه فإن العموم الحاصل في كل رجل غير الحاصل في كل امرأة وهكذا والملحوظ في وضع كل للعموم هو المعنى الشامل للجميع وهكذا الكلام في نظائره فهي مندرجة في هذا القسم قطعا نعم لا يندرج فيه نحو كل إنسان إلا أنه لم يتعلق هناك وضع لمجموع اللفظين والوضع عام بالنسبة إلى كل منهما ومن هذا القبيل الوضع المتعلق بأسماء الأجناس وأعلامها وإن أخذ في الأخير اعتبار التعيين والحضور في الذهن فإن ذلك أيضا أمر كلي ملحوظ في وضعها على جهة الإجمال فتعريفها من الجهة المذكورة مع اختلاف حضورها باختلاف الأذهان والأشخاص لا يقضي بتعلق الوضع بالخصوصيات على أنه لو فرض أخذ كل من تلك الخصوصيات في وضعها فهو لا يقضي بتعدد المعنى إذ المفروض أن الموضوع له نفس الطبيعة الكلية وتلك الخصوصيات خارجة عن الموضوع له ومن ذلك أوضاع النكرات والمشتقات وقد يشكل الحال في المشتقات نظرا إلى أن الملحوظ في أوضاعها هو المعنى العام الشامل لخصوص كل من المعاني الخاصة الشاملة لكل ما يندرج في الصيغة المفروضة دون خصوص كل واحد منها مع أن الموضوع له هو تلك الخصوصيات فيكون مرآة الوضع هناك عاما والموضوع له خصوص جزئياته ولذا اختار العضدي فيها ذلك وجعلها كالمبهمات وكون كل من تلك المعاني الخاصة أيضا عامّا شاملا لما تحتها من الأفراد ولا ينافي ذلك إذ لا يعتبر القسم الثالث أن يكون الموضوع خصوص الجزئيات الحقيقية ويمكن دفعه بأنه لما كان كل من تلك الألفاظ الخاصة متصورة إجمالا في معنى الأمر العام الملحوظ حين وضعه النوعي كان كل من معانيها متصورة على سبيل الإجمال أيضا لكن الوضع المتعلق بتلك الجزئيات إنما تعلق بكل منها بالنظر إلى معناها المختص به حسبما مر في بيان الوضع النوعي فلفظ ضارب إنما وضعت في ضمن ذلك الوضع لخصوص من قام به الضرب ولفظة عالم لخصوص من قام به العلم وهكذا وينحل الوضع المذكور إلى أوضاع شتى متعلقة بألفاظ متعددة لمعان مختلفة فالوضع المتعلق بكل لفظ من تلك الألفاظ إنما هو لما يقابله من المعنى فالمعنى الملحوظ في وضع كل منها عام والموضوع له أيضا ذلك المعنى لا خصوص جزئياته فملاحظة ما يعم خصوص كل من تلك المعاني حين الوضع ما هي من جهة ملاحظة ما يعم خصوص كل واحد من تلك الألفاظ المتعينة بإزاء كل منها فحيث لم يلحظ لفظا مخصوصا لم يلحظ هنا معنى خاصّا وأما إذا لوحظ كل لفظ منها بإزاء ما يخصه من المعنى كان كل من الوضع والموضوع له بالنسبة إليه عامّا بتلك الملاحظة التي هي المناط في وضع كل من تلك الألفاظ بحسب الحقيقة فإن قلت إن شيئا من تلك المعاني الخاصة لم يلحظ حين الوضع بخصوصه وإنما الملحوظ هو مفهوم من قام به مبدؤه وهو أمر عام شامل للجميع فكيف يتصور القول بكون كل من المعاني الخاصة ملحوظة للواضع قلت إن كلا من تلك المعاني وإن لم يكن ملحوظا بنفسه لكنه ملحوظ بما يساويه ويساوقه فإن مفهوم من قام مبدؤه إذا لوحظ بالنظر إلى خصوص كل واحد من الألفاظ المختلفة في المبادي كقائم وقاعد ونائم ونحوها انطبق على المفهوم المراد