الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
2
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
دون الاصطلاحات العلمية سواء كانت مأخوذة عن الأئمة أو لا وإنّما يتم ما ذكره على فرض اتحاد معناه الاصطلاحي والمعنى العرفي الشائع بين الناس لكنه محل تأمل قوله هو العلم بالأحكام قد شاع إطلاق العلم على أمور خصوص التصديق اليقيني ومطلق الإدراك الشامل له والتصور ونفس المسائل المبنية في العلوم أي المعلومات بالعلوم التصديقية وهي النسب التامة المغايرة للتصديقات بالاعتبار كما بين في محله وعلى الملكة التي يقتدر بها على استنباط المسائل ويطلق الحكم على التصديق وعلى النسبة التامة الخبرية وعلى خطابات الله المتعلق بأفعال المكلفين وعلى ما يعم الأحكام الخمسة الشرعية وعلى ما يعمها والوضعية التي منها السببية والشرطية والمانعية والصحة والبطلان وإذا لوحظت وجوه العلم مع وجوه الأحكام ارتقى الاحتمالات إلى عشرين والصحيح منها وجوه عديدة وتوضيح الحالات الأول والثاني من وجوه العلم لا مانع من إرادته في المقام وأما الثالث فلا يرتبط بالأحكام وأما الرابع فهو وإن صح ارتباطه بالأحكام إلا أنه لا يلائم الظرف الواقع بعده إذ الملكة إنما تحصل من المزاولة والممارسة ولا يحصل من الأدلة التفصيلية ويمكن أن يصحح ذلك بجعل الظرف من متعلقات الأحكام أو التصديق المتعلق للملكة المذكورة حسبما يأتي الإشارة إليه وأما وجوه الأحكام فلا يصح إرادة الأول منها في المقام إذ لا يرتبط به العلم بأحد المعاني المذكورة ضرورة أنه لا محصل للتصديق بالتصديقات ولا لملكة التصديق بالتصديقات وكذا لو أريد به مطلق الإدراك أو ملكته على أن مرجعه إلى التصديق فما ذكره المحقق الشريف وتبعه بعض الأفاضل من تفسير الأحكام بالتصديقات ليس على ما ينبغي ويمكن تصحيحه بحمل العلم على مطلق الملكة المجردة عن التصديق فيصح تعلقه بالتصديقات ويبعّده أن المعروف في حمل العلم على الملكة هو إرادة ملكة العلم منه تنزيلا للقوة القريبة منزلة الفعل لا الملكة المطلقة ليعلم تعلقها بالعلم من متعلقها إلا أن الظاهر أن إطلاق العلم على مجرد الملكة وارد في الاستعمالات أيضا كما يقال فلان عالم بالصباغة والحياكة أو من التجارة ويراد به حصول تلك الملكة له فالظاهر صحة إطلاقه عليها سيما إذا كان ما أطلق عليه من ملكات العلوم وإن كان بعيدا من ظاهر الإطلاق فحينئذ يتعين أن يكون الظرف من متعلقات الأحكام فما ذكراه من تعلق الظرف بالعلم غير متجه وكأنهما أرادا بالتصديق المتصدق به لشيوع إطلاقه عليه فيرجع إلى الوجه الآتي وكيف كان فالوجه المذكور وإن أمكن تصحيحه إلا أن فيه من التعسف والركاكة ما لا يخفى وأما الثاني فهو أظهر الوجوه في المقام وعدم كونه من مصطلحات الأصوليين والفقهاء لا يبعد الحمل عليه سيما قبل بيان الاصطلاح مضافا إلى قيام بعض الشواهد المبعدة للحمل على المصطلح كما ستعرف وأما الثالث فلا يصح إرادته في المقام إذ ليس العلم بنفس الخطابات فقها سواء فسر الخطاب بتوجيه الكلام نحو الغير أو الكلام الموجه نحوه وأيضا لا معنى لتعلق الأدلة بها إذ من جملة الأدلة الكتاب والسنة وهما عين الخطاب على الثاني فيتحد المدلول والدليل وقد وقع الخطاب بهما على الأول فلا يكونان دليلين عليه وقد أجاب الأشاعرة عن ذلك بناء على ما ذهبوا إليه من القول بالكلام النفسي بحمل الأحكام على الخطابات النفسيّة وما عدا في الأدلة من اللفظية فجعلوا الثانية أدلة على الأولى وأورد عليه بعض أفاضل العصر بأن الكلام اللفظي حينئذ كاشف عن المدعى لا أنه مثبت للدعوى فلا يكون دليلا عليه بحسب الاصطلاح ويدفعه أنه إنما يتم لو فسر الكلام النفسي بمدلول الكلام اللفظي أعني ما دل عليه اللفظ من حيث أنه مدلوله إذ من الواضح عدم كون اللفظ دليلا على معناه في الاصطلاح وإن كان دالا عليه وأما إذا فسر بالكلام القائم بالذات الأزلية المدلول عليه بالخطاب اللفظي كما هو الظاهر من مذهبهم حيث يذهبون إلى كونه من الصفات القديمة فالخطاب اللفظي دليل عليه بحسب الاصطلاح إذ كما يدل اللفظ على مدلوله الخارجي يدل على كونه مطابقا لما في نفس المتكلم فتنتظم في المقام قياس بهذه الصورة هذا ما دل الخطاب اللفظي على قيامه بالذات الأزلية وكل ما دل عليه خطابه اللفظي وهو مطابق للحقيقة فينتج أن خطابه النفسي هو ذلك وقد علل رحمه الله في الحاشية عدم كون الخطاب اللفظي دليلا على الخطاب النفسي بحسب الاصطلاح بأنه لا بد في الدليل الاصطلاحي من تصور المدلول قبل الدليل والعلم به على سبيل الإجمال وهو غير حاصل في المقام إذ الخطابات النفسية إنما تعلم بعد ملاحظة الخطابات اللفظية من غير علم بها قبل ذلك أصلا لا إجمالا ولا تفصيلا وأنت خبير بعدم وضوح ما ذكره من الدعويين إذ لا يلزم تقدم العلم الإجمالي بالمدلول على الدليل مطلقا حتى يكون ذلك من لوازم الدليل بالمعنى المصطلح بل قد يكون العلم به متأخرا عن الدليل كما إذا حصل الانتقال إلى النار بعد ملاحظة الدخان غاية الأمر أنه مسبوق في المثال بمعرفة الملازمة بين مطلق الدخان والنار وهو شيء آخر نعم ما ذكروه من لوازم الاستدلال وأيضا لا مانع من تقدم العلم بالخطابات النفسية إجمالا على معرفة الخطابات اللفظية التفصيلية كيف وثبوت الأحكام على سبيل الإجمال من ضروريات الدين كما أشار إليه في الجواب المختار عنده وذلك عندهم هو العلم بالخطابات النفسية على الإجمال وهو متقدم في المعرفة على العلم بالخطابات اللفظية وهو ظاهر جدا وقد أجاب الفاضل المذكور عن أصل الإيراد بحمل الكلام على الأحكام الإجمالية التي دلت على ثبوتها الضرورة قال والمراد من الأدلة الخطابات التفصيلية فيكون الفرق بين المدلول والدليل بالإجمال والتفصيل قلت وأنت خبير بما فيه إذ لا محصل لما ذكره من التفرقة فإن من البين أن المجهول في المقام إنما هي الخطابات التفصيلية وهي التي تتوقف إثباتها على الأدلة والمفروض في الحد المذكور كون الدليل عليها هي الخطابات التفصيلية التي هي عين ذلك المدلول المجهول فالمحذور المذكور على حاله واعتبار العلم بها إجمالا لا يفيد شيئا في المقام وليس العلم بها على سبيل الإجمال حاصلا من تلك الخطابات التفصيلية حتى يصح الفرق بين المدلول والدليل بالإجمال والتفصيل بل العلم الإجمال الحاصل في المقام على نحو سائر العلوم الإجمالية المتعلقة بالنتائج عند طلب الدليل عليها ومن البين أنه ليس التفصيل الحاصل من الدليل دليلا على ذلك المعلوم الإجمالي بل هو المجهول المعلوم على جهة الإجمال الحاصل من الدليل القائم عليه على أنه من الواضح أن العلم بتلك الخطابات على سبيل الإجمال ليس من الفقه في شيء فلا يصح تحديده به ثم إن ما ذكرناه على فرض حمل الخطاب في الحد المشهور للحكم على ظاهر معناه وأما إن أول بما يجعل جامعا بين الأحكام