الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

293

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

إذا كانت معلوفة فإنه يفيد حينئذ وجوب الزكاة في السائمة ولا يقول بمقتضاه من لا يقول بحجية مفهوم الشرط بخلاف من يقول بحجيته وأما إذا قيل في الغنم زكاة إذا كانت سائمة أفاد نفي الزكاة في المعلوفة ويقول به حينئذ من يقول بحجية المفهوم ومن لا يقول به غاية الأمر استناد المثبت في ذلك إلى ظاهر المفهوم المعتضد بالأصل والنافي إلى مجرد الأصل وذلك لا يثمر في أصل المسألة إذ هما موافقان فيه قال ودعوى حجية المفهوم من القائل به أنما نشأ عن غفلة من ذلك فإنه لما كان حكم الأصل في ذلك مرتكزا في العقول اختلط الأمر عليه بين مقتضى الأصل ومدلول اللفظ فتوهم كون ذلك مدلولا للفظ هذا كلامه مشروحا وأورد عليه غير واحد من أفاضل المتأخرين بما توضيحه أنه وإن كان الحال كذلك في الصورة الثانية فيطابق الأصل والنص على القول بالحجية وينفرد الأصل على القول بالنفي ويشترك الوجهان في ثبوت الحكم الذي هو ملحوظ نظر الأصولي إلا أن هناك فرقا بينا بين الثبوتين فإنه إن ثبت الحكم حينئذ بالأصل لم يقاوم شيئا من الأدلة الدالة على خلافه فإن حجية الأصل مغياة بقيام الدليل على خلافه فبعد قيامه لا يقوم حجة في المقام حتى تعارض الدليل المذكور وأما إذا كان الثبوت بالنص ودلالة المفهوم فهو يعارض ما يدل على خلافه ولا بد حينئذ من ملاحظة الترجيح ومجرد كون هذا مفهوما لا يقضي بترجيح الآخر عليه إذ رب مفهوم يترجح على المنطوق ومع الغض عنه فقد يكون الدليل من ذلك الجانب أيضا مفهوما فلا بد من ملاحظة المرجح بينهما على القول بحجيته بخلاف ما لو قلنا بسقوط المفهوم وزاد بعض الأفاضل في المقام أنه إذا كان المفهوم حجة كان الحكم المستفاد منه مأخوذا من قول الشارع فلا حاجة في إثباته إلى الاجتهاد بخلاف ما لو بني على الرجوع إلى مجرد الأصل فإن الأخذ بمقتضاه يتوقف في الاجتهاد واستفراغ الوسع في البحث عن الدليل المخرج عنه ولا يجوز الأخذ بمقتضاه قبل الفحص عن الدليل فإن الأصل عام والعمل بالعام قبل الفحص عن المخصص غير جائز وأنت خبير بوهن هذه فإن كلا من العمل بالأصل والنص عندنا يتوقف على الاجتهاد وبذل الوسع ولا ينهض شيء منها حجة قبل الاجتهاد وبذل الوسع فلا فرق بينهما في ذلك بالنسبة إلينا غاية الأمر حصول الفرق بينهما كذلك في أول الأمر بالنسبة إلى المشافهين ومن بحكمهم حيث إنه لا حاجة بعد السماع من المعصوم إلى بذل الوسع في ملاحظة المعارضات وغيرها في العمل بقوله عليه السلام بخلاف الأخذ بالأصل المذكور ونحوه ولا يجري ذلك بالنسبة إلينا حسب ما فصل القول فيه في محله ثم لا يذهب عليك أن ما تقدم من الإيراد بإثبات الثمرة في الصّورة الثانية أيضا غير جيد فإنه إنما يترتب تلك الثمرة في مواضع نادرة ومقصود صاحب الوافية كون معظم الثمرة في صورة المخالفة للأصل كما أشار إليه في كلامه لا انحصار الفائدة فيه مطلقا حتى يورد عليه بإمكان ترتب ثمرة أخرى من تلك الجهة نعم ما ذكره من بيان منشإ الغفلة في المقام فهو موهون جدا لوضوح الفرق بين استفادة الحكم من اللفظ أو الأصل وظهور عدم الفرق في الفهم المذكور بين كون الحكم موافقا للأصل أو مخالفا فإن فهم توقف الجزء على الشرط وانتفاءه بانتفائه حاصل في الصورتين [ أصل في مفهوم الوصف . ] قوله اختلفوا في التعليق على الصفة هذا هو مفهوم الوصف أحد أقسام مفهوم المخالفة وهو على فرض ثبوته أضعف من مفهوم الشرط ولذا كان القائلون بمفهوم الشرط أكثر من القائل به وقد أنكره جماعة ممن يقول به ومنهم المصنف رحمه الله والمراد بالصفة ما يعم النعت النحوي وغيره والأول يعم ما كان من الأوصاف كأكرم رجلا عالما أو غيرها كما إذا كان النعت جملة اسمية أو فعلية كأكرم رجلا أبوه عالم وأكرم رجلا أكرمك أو من الظروف كأطعم رجلا من الفقراء أو من النسب كآتني برجل بغدادي وقد يعم الحكم للصلات وسائر الأوصاف المأخوذة قيدا في الموضوع أو الحكم كالحال كأكرم عالما وانصر مظلوما وتواضع لأفضل الناس والثاني يعم ما كان وصفا صريحا كأسماء الفاعلين والمفعولين وأفعل التفضيل ونحوها وما دل على الوصف وإن لم يندرج في الصفات كالمنسوبات نحو بغدادي ورومي ونحو كثرة الشعر يعاد له الوضوء فإن مفاده الشعر الكثير وعد من ذلك لأن يمتلئ بطن أحدكم قيحا خير من أن يمتلئ شعرا فإن مؤداه الشعر الكثير وظاهر الغزالي في المستصفي كون المنسوبات من الألقاب وقد يخص النزاع في المقام بخصوص الحكم المعلق على الوصف سواء كان نعتا نحويا أو غيره بناء على كون الدلالة على الانتفاء بالانتفاء هنا من جهة التعليق على خصوص الوصف الظاهر في إناطة الحكم به وكان هذا هو الأوفق بعنوان المسألة ويمكن أن يجعل ذلك أحد الوجهين في البحث والآخر من جهة ملاحظة التقييد نظرا إلى استظهار كون القيد احترازيا دليلا على انتفاء الحكم بانتفائه وحينئذ يعم المسألة سائر القيود المتعلقة بالكلام ولو من غير الأوصاف وبعض تعليلاتهم الآتية يومي إلى الوجه الأخير فيندرج فيه التقييد بالزمان والمكان والعدد في وجه وكيف كان فالظاهر أن محل الخلاف في الاقتضاء المذكور ليس من جهة الدلالة الوضعية ضرورة عدم اندراج ذلك في وضع شيء من الألفاظ المفردة المستعملة في المقام لا في الوضع العام المتعلق بالتراكيب الخاصة على الوجه الذي مر في محله إذ ذلك الوضع لا يعتبر فيه خصوص تعليق الحكم على الوصف ولا كون الوصف المذكور متعلقا للحكم المفروض حتى يتصور فيه أخذ المعنى المذكور وليس هناك وضع خاص يتعلق بالهيئة المجموعية حتى يقال بكونها موضوعة لذلك ولو قيل به فالقول بوضعها لذلك بعيد جدا وليس في كلماتهم ما يفيد الدعوى المذكورة فالظاهر أن استفادة ذلك منه على القول به ليس إلا من جهة استظهار ذلك من تعليق الحكم عليه فهو إذن مدلول عرفي حاصل في المقام إما من جهة تعليق الحكم على الوصف أو من جهة التقييد وذكر الخاص مع أولوية تركه أو لاختصاص الحكم فلا يلزم هناك تجوز في اللفظ ولا في الهيئة لو قام دليل على عدم إرادة المفهوم وإنما يلزم هناك الخروج عن الظاهر المذكور على القول به فالبحث في المقام إنما هو في الدلالة الالتزامية العرفية وكان الأظهر في تقريرها على القول بها أن يقال فيها على نحو ما قدمناه بظهور التعليق على الوصف أو التقييد بالقيد في إناطة الحكم به وتوقفه عليه ويستلزم ذلك عقلا انتفاء الحكم بانتفائه ويؤيد ما ذكرناه أنه لا مجال لتوهم ثبوت المفهوم في عدة من المقامات التي قيد فيها الحكم بالوصف كما إذا قلت رأيت عالما أو أكرم الأمير رجلا عالما أو مات اليوم فاضل أو أهين فاسق إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة إذ لا إشعار في تلك العبارات بالدلالة على الانحصار وانتفاء الحكم في غير المقيد ولو كان ذلك من جهة الوضع لاطرد في المقامات إلا أن تقوم قرينة على خلافه فتقضي بالصرف عنه بعد فهمه فتبين أن ذلك إنما هو من جهة الاستظهار