الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

261

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

باختصاص الوجوب ببعض ذلك الوقت ثالثها أن يرجع الواجب الموسع إلى الواجب المخير وقد ثبت جواز تعلق الوجوب بكل من الأبدال على سبيل التخيير وقد أشار إلى ذلك جماعة منهم السيد والشيخ والعلامة في عدة من كتبه والسيد العميدي والفاضل الجواد ويستفاد ذلك من كلام المصنف في جوابه عن حجة الخصم لكن ظاهر كلامه يفيد تعلق الوجوب بخصوص كل منها بزمان من تلك الأزمنة تخييرا على وجه الأصالة وقد عرفت ما فيه ولا يتوقف تتميم الاستدلال على ذلك بل يكتفي فيه بحصول التخيير على وجه التبعية ويمكن تنزيل الكلام حينئذ أنه إن لوحظ الوجوب بالنسبة إلى الطبيعة المطلقة المقيدة بإيقاعها بين الحدين فلا ريب أنه لا يجوز تركها في الحد المفروض من الزمان مطلقا من غير توقف قيام يدل مقامه فلا شبهة في تحقق معنى الوجوب بالنسبة إليه وإن لوحظ ما يتبع ذلك من وجوبها في خصوص كل جزء من ذلك الزمان لمفاد التخيير بين تلك الأفراد الواقعة في تلك الأزمنة ليرجع إلى ما مر من الواجب المخير يأتي في دفعه ما ذكر هناك رابعها أنه مقتضى ظاهر اللفظ فإن تناول الأمر للفعل في أول الوقت كتناوله للفعل في وسطه وآخره من غير فرق أصلا فالترجيح بينها بجعل بعضها وقتا للوجوب دون الآخر تكلف وأنت خبير بأن مرجع الوجه المذكور إلى الوجه الأول المذكور في كلام المصنف ويرد عليه ما مرّت الإشارة إليه فإن الخصم إنما يصرفه عن ذلك لدعواه قيام الدليل على خلافه فالشأن حينئذ في دفع المانع لا في إثبات المقتضي حتى يستند فيه إلى الوجه المذكور خامسها أنه لو أتي في أيّ جزء من أجزاء الوقت لكان مجزيا إجماعا محصّلا من غير أن يترتب عليه عقاب وإنما يكون كذلك لو جعلت به المصلحة اللازمة وكان إيقاعه في أي جزء منه قائما مقام إيقاعه في غيره وهو معنى الموسع ثم لا يذهب عليك أن جميع ما ذكر من الوجه على فرض صحتها إنما تفيد جواز التوسعة في الواجب وأما كون التوسعة على الوجه الذي ادعاه المصنف من الرجوع إلى الواجب المخير حسبما مر الكلام فيه فلا دلالة فيها عليه أصلا قوله أن الأمر ورد بالفعل إلى آخره فتلخص من كلامه وجهان أحدهما الاستناد إلى ظاهر الأمر حيث إنه ظاهر في الوجوب العيني دون التخييري حسبما عرفت الوجه فيه في محله وثانيهما أنه لا إشكال لأحد في عدم دلالة صيغة الأمر على وجوب العزم ولم يقم على وجوبه دليل آخر من الخارج كما سيظهر عند إبطال دليل الخصم فالأصل يقتضي عدم وجوبه هذا [ القول في سائر من وجوه الاحتجاج ] وقد يستدل لذلك بوجوه أخر [ الوجه ] الأول أن البدلية قاضية بمساواته للمبدل في الحكم وقيامه مقامه ومن البيّن أنه لو أتي مبدله أعني الفعل قضي بسقوط التكليف بالمرة فيلزم أن يكون العزم أيضا كذلك وأي قائل به وأورد عليه بوجوه أحدها أنه إنما يكون بدلا عن الفعل في أول الوقت مثلا فيكون قائما مقام الفعل الواقع ولا في جميع الأوقات ويدفعه أنه إذا قام مقام الفعل في الأول قضى بسقوط التكليف في باقي الوقت إذ لا تكرار في التكليف ولا يجب الإتيان بالفعل زائدا على المرة والمفروض الإتيان ببدل الواجب فلا بد من سقوط التكليف بالمرة وقد اختار شيخنا البهائي ذلك في الجواب عن الحجة المذكورة حيث قال إن العزم بدل من الفعل في كل جزء لا مطلقا وقد عرفت ما فيه ويمكن تنزيل كلامه على الجواب المختار كما سيجيء الإشارة إليه لكنه بعيد عن كلامه ثانيها إنا لا نقول بكون مجرد العزم بدلا عن الفعل في الأول بل العزم عليه والفعل في الثاني بدل عنه والعزم عليه والفعل في الثالث بدل عن الفعل في الثاني وهكذا فلا يكون العزم وحده بدلا عن الفعل في الأول حتى يكون الإتيان به قائما مقامه حسبما مرت الإشارة إليه وفيه ما مرّ بيانه من مخالفته لكلام القوم ومن الاكتفاء ببدلية الفعل اللاحق من غير حاجة إلى ضم العزم فإنه إذا صح جعله جزء من البدل صح كونه تمام البدل ثالثها ما ذكره السيد من منع كون الإتيان بالبدل مسقطا لوجوب المبدل وقد عرفت ما فيه رابعها أنه ليس العزم بدلا من نفس الفعل وإنما هو بدل من تقديمه لتخييره بين تقديمه وبين العزم على إتيانه فيما بعد أشار إلى ذلك العلامة في النهاية وفيه أن المفروض وجوب الفعل على سبيل التوسعة فلا يجوز التقديم حتى يجب العزم بدلا عنه ويدفعه أن يرجع ما ذكره إلى ما قررناه من ثبوت تكليفين في المقام عند القائل المذكور أعني نفس الفعل ووجوب المبادرة إليه على حسب الإمكان والعزم إنما يكون بدلا عن وجوب المبادرة فيقوم مقامه إلى أن يتضيق الوقت فيتعين الفعل وغاية ما يسلم من جواز التأخير في الموسع إنما هو مع العزم على الفعل لا مطلقا كيف ومن البين أن هؤلاء الجماعة لا يجوزون التأخير من دونه [ الوجه ] الثاني أن القائل ببدلية العزم يقول بوجوب العزم في الوسط كما يقول بوجوبه في الأول فيلزم حينئذ تعدد البدل مع اتحاد المبدل وهو خروج عن مقتضى البدلية فإن البدل إنما يجب على نحو المبدل فإذا كان البدل واجبا مرة وكان العزم الأول بدلا عنه لم يعقل ثبوت بدل آخر منه بعد ذلك وأجيب عنه بأن العزم أولا إنما يكون بدلا عن وجوب المبادرة فيقوم مقامه إلى أن يتضيق الوقت فيتعين الفعل وغاية ما يعلم من جواز التأخير في الموسع إنما هو مع العزم على الفعل لا مطلقا كيف ومن البين أن هؤلاء الجماعة لا يجوزون التأخير من دونه الخامس أن القائل ببدلية العزم يقول بوجوب العزم في الوسط كما يقول بوجوبه في الأول فيلزم حينئذ تعدد البدل مع اتحاد المبدل وهو خروج عن مقتضى البدلية فإن البدل إنما يجب على نحو المبدل فإذا كان المبدل واجبا مرة وكان العزم الأول بدلا عنه لم يعقل ثبوت بدل آخر منه بعد ذلك وأجيب عنه بأن العزم أولا إنما يكون بدلا عن الفعل في الأول ويسقط به مبدله والعزم ثانيا بدل عن الفعل في الثاني ويسقط به وهكذا ويدفعه ما عرفت من أنه لا تكرار هنا في وجوب الفعل فإذا كان العزم أولا قائما مقام الفعل أولا قضي بسقوط التكليف رأسا فالحق في الجواب ما عرفت من أنه من التزام القائل المذكور بتكليفين وينحل التكليف الثاني منهما إلى تكاليف عديدة ما بقي التكليف الأول ويقوم العزم مقام كل واحد منها وينتفي موضوع ذلك التكليف عند تضيق وقت الفعل فيسقط التكليف به وينحصر الأمر في التكليف الأول أعني إيجاد الفعل وقد يشكل ذلك بأن العزم إذا كان بدلا من الفرد المذكور يبقى أصل الفعل إذن خاليا من البدل فيجوز تركه قبل الزمان الأخير بلا بدل ووجوب الفرد على الوجه المذكور ولا يدرجه في حد الواجب نعم لو لم يكن هناك بدل من الفرد وكان الإقدام عليه أولا واجبا اكتفي به في ذلك حسبما مرت الإشارة إليه لكن المفروض قيام العزم مقام الفرد فحينئذ يجوز ترك الطبيعة أولا وثانيا إلى الزمان الآخر بلا بدل عنها فالإشكال على حالها ويمكن دفعه بأن مفاد وجوب أداء الفعل فورا ومفاد بدلية العزم من الفرد هو تخيير المكلف بين أداء الفعل فورا والعزم على أدائه في الثاني والثالث فيكون أداء الفعل في الأول واجبا على سبيل التخيير وهو الذي رامه