الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

256

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

ثامنها إنهم اختلفوا في جواز حصول التخيير في التحريم في الواجب المخير فعن الأشاعرة القول بجوازه وقد اختاره الآمبأن يكون المحرم أحد الفعلين لا بعينه على الوجه الذي قرردي والحاجبي والعضدي إذ لا يعقل مانع من تعلق النهي بأحد الشيئين على الوجه المذكور وعن المعتزلة إنكار ذلك وحكي عن بعضهم المنع عن النهي عن أمور على سبيل التخيير بينها لأن متعلق النهي حينئذ هو مفهوم أحدها الذي هو مشترك بينها حسبما ذكر في الواجب المخير فيحرم الجميع إذ لو دخل شيء منها في الوجود دخل القدر المشترك فيه والمفروض حرمته وأورد عليه بالتحريم المتعلق بالأختين والأم والبنت فإنه إنما نهى من التزويج بأحدهما على الوجه المذكور لا بهما ولا بواحد معين منها وأجيب عنه بأن التحريم هناك إنما تعلق بالجمع بينهما فيتحقق امتثاله بترك الجمع الحاصل بترك واحد منها كيف ولو تعلق التحريم هناك بالقدر المشترك أعني مفهوم أحدهما لحرمتا جميعا ضرورة استلزام وجود الأخص وجود الأعم إذ لا يعقل تحقق فرد من نوع وحصول جزئي من كلي من دون تحقق ذلك النوع وحصول ذلك الكلي المشترك وظاهر الشهيد اختيار ذلك والذي يقتضي التدبر في المقام أن يقال إن النهي المتعلق بالطبيعة قد يراد به عدم إدخال تلك الطبيعة في الوجود أصلا فيكون كالنكرة الواقعة في سياق النفي مفيدا لعموم المنع وقد يراد به عدم إدخال تلك الطبيعة في الوجود في الجملة فيحصل الامتثال بمجرد حصول الترك ولو بتركه في بعض الأفراد كما هو الحال في الأمر وسنبين كون استعمال النهي حقيقة على الوجهين وإن كان ظاهر إطلاقه منصرفا إلى الأول وعلى هذا فتعلق النهي بمفهوم أحدهما على الوجه الثاني لا يستلزم إلا حرمة واحد منهما وتحصيل امتثاله بترك أحدهما فما ذكر من استلزام تحريم الطبيعة تحريم جميع أفرادها إنما يتم في الصّورة الأولي دون غيرها فإذا تعلق الطلب بترك أحد الفعلين على الوجه الذي ذكرناه كان ترك أيّ منهما كافيا في تحقق الامتثال وقضية ذلك حرمة الجمع بين الفعلين المذكورين لا تحريم كل منهما على وجه التخيير على ما هو الشأن في الواجب فإن تعلق الوجوب بأحدهما يقتضي وجوب كل منهما على وجه التخيير بينهما حسبما مر بيانه بخلاف ما إذا تعلق التحريم بأحدهما فلا مفسدة حينئذ في الإتيان بكل من الفعلين المذكورين لو خلي عن ملاحظة وجود الآخر معه بخلاف الواجب المخير لحصول المصلحة في فعل كل منهما مع قطع النظر عن الآخر غاية الأمر أن تلك المصلحة كما يحصل بفعل أحدهما كذا يحصل بفعل الآخر أيضا فيكفي في حلها بفعل أحدهما ولا كذلك الحال في المقام إذ لا مفسدة في فعل أحدهما وإنما المفسدة في الإتيان بهما وبالجملة أن المفسدة الحاصلة في المقام إما أن يتفرع على خصوص كل من الفعلين أو خصوص أحدهما أو مفهوم وأحدهما الجامع بينهما أو الجمع بينهما لا سبيل إلى شيء من الوجوه الثلاثة الأول وإلا لكانا محرمين معا أو اختص التحريم بأحدهما دون الآخر فتعين الرابع فقضية تحريم أحد الفعلين على الوجه المذكور هو تحريم الجمع بينهما كما أن قضية وجوب أحدهما وجوب كل منهما على سبيل التخيير بينهما فإن أراد الجماعة من جواز تعلق التحريم بأحد الشيئين أو الأشياء ما ذكرناه فلا كلام معهم والظاهر أنه لا مجال لتوهم مانع فيه وإن أرادوا كون الحرمة المتعلق بأحدهما على نحو الوجوب المتعلق به فهو غير متجه كما عرفت والحاصل أنه لا ينبغي التأمل في جواز تعلق النهي بأحد الشيئين كما يجوز تعلق الأمر به إلا أن المحصّل من تعلق النهي به هو حرمة الجمع بين ذينك الأمرين من غير أن يتعلق التحريم بكل واحد منهما بخلاف ما إذا تعلق الأمر به فإن المتحصل منه هو وجوب كل منهما على سبيل التخيير حسبما عرفت [ أصل في الواجب الموسع . ] قوله الأمر بالفعل في وقت يفضل عنه إلى آخره الواجب بالنسبة إلى الزمان الذي يقع فيه على وجهين أحدهما غير الموقت وهو أن لا يلحظ له زمان مخصوص لأدائه لا يجوز تقديمه ولا تأخيره عنه بل إنما يلحظ نفس الفعل ويراد إيقاعه من المكلف وحينئذ فإما أن يتعلق التكليف به على وجه الفور والتعجيل كالحج أو من دون اعتباره كقضاء الفوائت على المشهور والنذر المطلق ولا إشكال في شيء منهما أما الأول فظاهر وأما الثاني فلكون المكلف به هو مطلق الطبيعة والمنع من الترك حاصل بالنسبة إليه وربما يقال بجريان الإشكال الآتي فيه أيضا ثانيهما الموقت وهو ما عين له وقت مخصوص ثم الفعل بالنسبة إلى وقته المضروب له لا يخلو من وجوه ثلاثة فإنه إما أن يكون الفعل زائدا على وقته أو مساويا له أو ناقصا عنه لا إشكال على ما نص عليه جماعة منهم على امتناع الأول بناء على امتناع التكليف بما لا يطاق وفي النهاية أنه لا نزاع فيه هذا إذا أريد إيقاع تمام الفعل في الوقت المفروض وأما إذا أريد إيقاع بعضه فيه وإتمامه فيما بعد ذلك فلا مانع منه كما ورد أن من أدرك ركعة من الوقت كان كمن أدرك الوقت فهو وقت مضروب لإيقاع بعض الفعل أو أن ما بعد ذلك الوقت مما يسع الفعل من وقت مضروب له ملحق بالوقت المضروب له أولا وكيف كان فهو يندرج في الموقت لاعتبار الوقت فيه في الجملة ولا إشكال أيضا في جواز الثاني ووقوعه من غير خلاف فيه وقد صرح جماعة منهم الفاضلان بالإجماع على جوازه ونص جماعة منهم الشيخ والعلامة والسيد العميدي بنفي الخلاف عنه أو الاتفاق على جوازه وفي النهاية وغيره أنه لا نزاع في وقوعه هذا إذا كان الواجب أمرا مستمرّا سواء كان وجوديّا أو عدميّا كالصوم وأما إذا كان مركبا ذا أجزاء كالصّلاة وأريد تطبيق الفعل على أجزاء الوقت حقيقة بحيث لا يتقدم عليه شيء من أجزائه ولا يتأخر عنه فهو مشكل بل الظاهر امتناعه بحسب العادة وعلى فرض إمكانه فالعلم به مستحيل بحسب العادة وما هذا شأنه لا يصح التكليف به فما ذكر من الاتفاق على الجواز والوقوع إنما يراد به حصول ذلك في الجملة إذ المراد المساواة العرفية دون الحقيقية فلا ينافيه زيادة الوقت من أوله وآخره بمقدار يسير يعتبر في تحصيل اليقين بإيقاع الفعل في الوقت وأما الثالث فقد اختلفوا فيه على قولين بعد اتفاقهم على ورود ما ظاهره التوسعة في الشريعة أحدهما الجواز والوقوع وهو مختار المحققين بل لا يعرف فيه مخالف من الأصحاب سوى ما يعزى إلى ظاهر المفيد حسبما حكاه العلامة في المختلف وأشار إليه المصنف رحمه الله وذكر الفاضل الصالح أنه الحق عندنا وعند كثير ممن خالفنا وهو يومي بإطباق الخاصة عليه وقال الفاضل الجواد إنه المشهور وثانيهما المنع من جوازه وعزاه في المبادي إلى من لا يتحقق له وفي النهاية إلى أبي الحسن الكرخي وجماعة من الأشاعرة وجماعة من الحنفية واستظهره المصنف من كلام المفيد على ما حكاه العلامة لكن ما عزاه الشيخ إليه إنما هو بالنسبة إلى الصّلاة فإنكاره المطلق الموسع مع ما فيه من البعد غير ظاهر وكيف كان فمنشأ الخلاف في ذلك ما أشرنا إليه في الواجب المخير وقد نبه عليه المصنف بقوله لظنهم أنه يؤدي إلى ترك الواجب وستعرف دفعه إن شاء الله تعالى قوله مختص بأول الوقت فسره بعضهم بالجزء الأول الذي يساوي الفعل وقد عرفت ما فيه من الإشكال إلا أن يكون المراد المساواة