الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
245
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
في زمان الواجب المضيق وهو حاصل على القول باقتضائه عدم الأمر بضده لوضوح كون الصحة في العبادة تابعة للأمر وأنت بعد ما أحطت خبرا بما قررناه تعرف ضعف ما ذكره رحمه الله فإن المسلم من اقتضاء الأمر بالشيء عدم الأمر بضده هو ما إذا كان الأمران في مرتبة واحدة فيريد من المكلف الإتيان بهما معا وأما لو كان التكليفان مترتبين بأن يريد منه الإتيان بأحدهما على سبيل التعيين فإن أتى به المكلف فلا تكليف عليه سواه وإن بنى على العصيان وعلم بإخلائه ذلك الزمان عن ذلك الفعل تعلق به الأمر الآخر فيكون تكليفه بالثاني على فرض عصيان الأول حسبما مر بيانه فلا مانع منه أصلا وكما يصح ورود تكليفين على هذا الوجه يصح ورود تكاليف شتى على الوجه المفروض بالنسبة إلى زمان واحد فإن أتى بالأول فلا عصيان وإن ترك الأول وأتى بالثاني استحق عقوبة لترك الأول وصح منه الثاني وأثيب عليه ولا عصيان بالنسبة إلى البواقي وإن عصى الأولين وأتى بالثالث استحق عقوبتين وصح منه الثالث وهكذا وإن ترك الجميع استحق العقوبة على ترك الجميع مع عدم اتساع الزمان إلا لواحد منها ثم لا يذهب عليك أنه وإن صح حصول التكليف على النحو المذكور إلا أنا لم نجد في أصل الشريعة ورود التكليف على الوجه المذكور لكن ورود ذلك على المكلف من جهة العوارض والطواري مما لا بعد فيه ويجري ذلك في المضيق والموسع والمضيقين وفي الواجب والمندوب وقد عرفت أن قضية الأصل عند حصول التعارض بينهما هو الحمل على ذلك إلا أن يقوم دليل من الشرع على تعين ذلك الأهم وسقوط التكليف بغيره رأسا كما في شهر رمضان حيث يتعين لصومه ولا يقع فيه صيام غيره حتى إنه لو بنى على ترك صومه لم يصح فيه صوم آخر وكالوقت المقرر للصلاة اليومية عند تضيقه وتفطن المكلف به فإنّ الظاهر من الشرع تعينه حينئذ لليومية وعدم وقوع صلاة أخرى فيه هذا وقد أورد على ما ذكره بوجوه أحدها ما ذكره بعض الأفاضل من منع انحصار الوجه في صحة العبادة في موافقة الأمر إذ هو من أحكام الوضع في العبادات والمعاملات فقد يكون الصحة فيها من غير أمر كما هو الحال في المعاملات ووهنه واضح للفرق البين ووضوح قوام صحة العبادة بالأمر فكيف يعقل صحتها من دون كونها مطلوبة للشارع ثانيها ما ذكره الفاضل المذكور أيضا من أن ذلك إنما يتم في العبادات دون المعاملات وضعفه أيضا ظاهر إذ المقصود مما ذكره تفرع الثمرة المترتبة على القول بدلالة الأمر بالشيء على النهي عن ضده من فساد الضد على العنوان الذي ذكره ومن الواضح أن الترتب على العنوان الأول إن تم فإنما هو فساد الضد لو كان عبادة مزاحمة له دون المعاملة المزاحمة له لوضوح كون النهي المفروض على فرض حصوله في المقام غير دال على الفساد بالنسبة إلى المعاملة فكما أن العنوان الثاني لا يفيد الفساد بالنسبة إلى المعاملة فكذا العنوان الأول فلا وجه للإيراد نعم لو توهم إفادة النهي المفروض فساد المعاملة كما قد يستفاد من كلام المورد المذكور لربما صح الإيراد المذكور وكأنه الوجه في إيراده ذلك إلا أن ذلك فاسد جدا كما سيجيء الإشارة إليه في محله إن شاء الله فلا يتجه الإيراد أصلا ثالثها إن الأمر بالشيء إنما يقتضي عدم الأمر بضده إذا كان الضد مضيقا أيضا وأما إذا كان موسعا كما هو المفروض فلا إذ لا استحالة في اجتماع الأمر المضيق والأمر الموسع لعدم المزاحمة بينها إذ ليس مفاد وجوب الشيء على وجه التوسعة إلا وجوبه في مجموع الوقت بأن لا يخلو عنه تمام الوقت ولو أتى به في أي جزء امتثل الأمر فلا يتعين عليه الإتيان به في وقت المضيق حتى يزاحمه في التكليف وإنما يكون المزاحمة بينهما في الوجود من سوء اختيار المكلف كذا ذكره جماعة من الأعلام منهم الفاضل المتقدم وفيه أنه لا كلام في جواز صدور التكليفين في الجملة على الوجه المذكور إذ لا مزاحمة بينهما وإنما مقصوده في المقام أن التكليف بالمضيق يقتضي تقييد الأمر بالموسع فيفيد عدم تعلق الأمر بالموسع في حال التكليف بالمضيق فإنه لما تعين على المكلف الإتيان بالمضيق في ذلك الوقت في حكم الأمر قضى ذلك بأن لا يريد منه الأمر في ذلك الوقت سواه سواء أراد منه الغير على سبيل التعيين أيضا كما إذا أراد منه حينئذ مضيّقا آخر أو على سبيل التوسعة والتخيير بين إيقاعه في ذلك الزمان وغيره لوضوح أن تعين الإتيان بالفعل ينافي القسمين معا قطعا وحصول المندوحة للمكلف لا يقضي بجواز ورود التكليف كذلك إذ المفروض عدم تجويز الأمر على حسب تعيينه الإتيان بالأول لإيقاع غيره فيه فكيف يوجب حصول الغير فيه ولو على سبيل التخيير بينه وبين الغير وقد عرفت أن التكليف بما لا يطاق كما يستحيل بالنسبة إلى الواجبات التعيينية كذا يستحيل بالنسبة إلى المخير والموسع فسوء اختيار المكلف حينئذ لا يقضي بحصول الواجب وما هو مطلوب الأمر إذ لا مطلوب له حينئذ إلا الإتيان بالمضيق حسب تعيينه ذلك على المكلف فكون الموسع مأمورا به في الزمان المعين للمضيق مطلوبا من الأمر إيقاعه فيه بمكان من الوهن فلا وجه إذن للحكم بصحته نعم يصح ذلك على الوجه المتقدم من الاكتفاء في الحكم بالصّحة بمجرد تعلق الأمر في نفسه مع قطع النظر عن ارتفاع ذلك الأمر بالنسبة إلى المزاحم للمضيق فالقائل المذكور يقول بحصول تقييد الأمر وعدم كون الموسع المزاحم للمضيق مطلوبا للأمر ومع ذلك يقول ببقاء الصحة وهو من الوهن بمكان لا يحتاج إلى البيان وذلك هو محصل كلام بعض القائلين بجواز اجتماع الأمر والنهي حسبما يجيء بيانه إن شاء الله فيكون الإيراد المذكور مبنيا على القول بجواز الاجتماع فلا وجه لإيراده ممن لا يقول بالجواز وحينئذ فالوجه في صحة التكليف بالموسع منحصر فيما ذكرناه من اعتبار الترتيب وعليه فلا فرق بين الموسع وغيره كما بينا رابعها ما ذكره الفاضل الجواد من أن الظاهر أن القائل بأن الأمر بالشيء لا يستلزم النهي عن الضد الخاص يجوّز صحة ذلك الضدّ لو أوقعه المكلف فهو لا يسلم عدم الأمر بالضد بل يذهب إلى تعلق الأمر به ليتم حكمه بالصحة وعلى هذا فلا وجه لأقربية ما ذكره وفيه أن مقصوده ره سهولة الخطب في الاستدلال على العنوان الذي ذكره لا عدم ذهاب القائل بنفي الدلالة على عدم ثبوت الأمر فمجرد قوله به لا يفيد قوة ما ذهب إليه والمراد إن إثبات نفيه الأمر بالضد أسهل من إثبات دلالته على النهي عن الضد وهو أمر ظاهر لا مجال لإنكاره فالتعبير بالعنوان المذكور أولى مما عبروا به بعد الاشتراك في الثمرة المطلوبة [ في بيان ما أورده صاحب الوافية على شيخنا المتقدم ذكره والمبالغة في رده . ] خامسها ما أورده عليه صاحب الوافية وله كلام طويل في ذلك ملخصه أن الواجب إما موسع أو مضيق وعلى كل حال فإما موقت أو غير موقت فما ذكره من اقتضاء الأمر بالشيء عدم الأمر بضده لا يتم في الموسعين مطلقا إذ لا يتوهم فيهما تكليف بالمحال وكذا في الموسع والمضيق مطلقا إذ لا قاضي بخروج وقت المضيق عن كونه وقتا للموسع أيضا غاية الأمر عصيان المكلف بترك المضيق حينئذ ولا يستلزم ذلك بطلان الموسع الواقع فيه وأما المضيقان الموقتان فما ذكره حق