الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

243

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

عنه فلا وجه للقول بجواز ترك الضد حينئذ نظرا إلى مصادفته لحصول الصارف بل الترك المفروض واجب عليه ويجب عليه ترك الصارف وإيجاد الداعي وسائر المقدمات حتى يحصل بها الإيصال إلى الواجب وحينئذ فالتحقيق أن يقال بالملازمة بين القول بوجوب المقدمة واقتضاء الأمر بالشيء للنهي عن ضده حسبما اخترناه كما أن القائل بعدم وجوب المقدمة يلزمه القول بعدم الاقتضاء عند التحقيق بقي الكلام في المقام في بيان الثمرة المتفرعة على الخلاف المذكور وعمدة ما فرع على ذلك هو الحكم بفساد الضد وعدمه إذا كان عبادة سواء كانت واجبة أو مندوبة فعلى القول بدلالته على النهي عن ضده تكون فاسدة من جهة النهي المتعلق بها بخلاف ما إذا قيل بعدم الاقتضاء إذ لا قاضي حينئذ بفسادها وقد يقع التأمل في تفرّع الثمرة المذكورة على كل من الوجهين أما الأول فبما مرت الإشارة إليه من أنا لو قلنا بدلالة الأمر على النهي عن ضده لا يلزمنا القول بفساد الضد إذ المطلوب هو ترك الضدّ الموصل إلى الواجب دون غيره والإتيان بالضد إنما يكون مع حصول الصّارف عن المأمور به فلا يكون تركه موصلا حتى يحرم فعله ويتفرع عليه فساده لكنك قد عرفت ضعف الكلام المذكور وأن المطلوب في المقام هو ترك الضد من حيث كونه موصلا إلى الواجب لا خصوص ترك الضد من حيث كونه الموصل إلى الواجب وفرق ظاهر بين الوجهين وقضية الوجه الأول هو تحريم فعل الضد وإن لم يوصل حسبما فرض في المقام وقد مر تفصيل القول فيه وأما الثاني فبما ذكره بعض الأفاضل من لزوم الحكم بفساد الضد على القول بعدم اقتضائه النهي عن الضد أيضا نظرا إلى انتفاء مقتضى الصحة على ما سيجيء تفصيل القول فيه وفي بيان فساده والتحقيق في المقام عدم تفرع الثمرة المذكورة على المسألة حسبما فرّعوها عليها لا لما ذكر بل لعدم إفادة النهي المذكور فساد الضد نظرا إلى عدم اقتضاء النهي الغيري المتعلق بالعبادات بالفساد مطلقا بل فيه تفصيل وتوضيح المقام أن دلالة النهي على الفساد ليست من جهة وضعه له إذ ليس ما وضع النهي له إلا التحريم أو طلب الترك وإنما يدل على الفساد بالالتزام كما سيجيء الكلام فيه إن شاء الله فاستفادة الفساد في المقام إما من جهة إفادته المرجوحية المنافية للرجحان المعتبر في حقيقة العبادة أو من جهة امتناع تعلق الطلب بالفعل بعد تعلقه بتركه لكونه من التكليف بالمحال فتعلق النهي به مانع من تعلق الأمر لكون الترك حينئذ مطلوبا للأمر مرادا له فلا يكون الفعل مرادا ومطلوبا له أيضا وإذا انتفي الأمر لم يعقل الصحة لكون الصحة في العبادة عبارة عن موافقة الأمر ولا يجري شيء من الوجهين المذكورين في المقام أما الأول فلأن الرجحان المعتبر في حقيقة العبادة هو رجحان الفعل على الترك لا رجحانه على سائر الأفعال وإلا لم يكن العبادة إلا أفضل العبادات وكان غيرها من العبادات المرجوحة بالنسبة إليها فاسدة وهو واضح الفساد ورجحان الفعل على الوجه المذكور حاصل في المقام لكون الفعل المفروض عبادة راجحة بملاحظة ذاته والنهي المتعلق به غيري يفيد مطلوبية الترك لأجل الاشتغال بما هو الأهم منه فيدل على مرجوحية ذلك الفعل بالنسبة إلى فعل آخر لا مرجوحية بالنظر إلى تركه حتى ينافي رجحانه عليه ومن البين أيضا أنه لا منافاة بين رجحان الفعل على تركه ومرجوحيته بالنسبة إلى فعل غيره فإن قلت إن المنافاة حاصلة في المقام نظرا إلى كون رجحان الفعل على الترك رجحانا مانعا من النقيض ومرجوحيته بالنسبة إلى فعل آخر كذلك أيضا ومن البين امتناع حصول الأمرين في فعل واحد للزوم اجتماع المنع من الفعل والمنع من الترك في آن واحد قلت لا مانع من اجتماع الأمرين بوجه من الوجوه إذ قد يكون الفعل بملاحظة ذاته جائزا لكن يجب تركه لمعارضته بواجب آخر أهم منه فهو راجح في ذاته رجحانا مانعا من النقيض مرجوح كذلك بالنسبة إلى غيره فمن أراد الإتيان بالراجح من غير أن يصدر منه عصيان تعين عليه ترك ذلك والإتيان بالأهم ولا مانع من ترك ما يتحتم فعله في ذاته إذا عارضه ما كان كذلك وكان أهم منه في نظر الأمر فهو محتوم الفعل بملاحظة ذاته غير محتوم بملاحظة غيره بل محتوم الترك بتلك الملاحظة ولا تدافع بينهما أصلا وإن أتى بغير الأهم فقد أتى بالراجح أيضا إلا أنه لا بد حينئذ من عصيان الأمر الآخر وأما الثاني فلأنه لما كان النهي المفروض غيريا لم يكن هناك مانع من اجتماعه مع الواجب فإن حرمة الشيء لتوقف الواجب الأهم على تركه لا ينافي وجوبه وحرمة تركه على فرض ترك ذلك الأهم بأن يكون ترك ذلك الأهم شرطا في وجوبه وتعلق الطلب به فيجتمع الوجوب والتحريم المفروضان في آن واحد من غير تمانع بينهما فإذا لم يكن هناك مانع من اجتماع الأمر والنهي على الوجه المذكور فلا مجال لتوهم دلالة النهي المفروض على الفساد فظهر مما قررنا أنه لا مانع من تعلق التكليف بالفعلين المتضادين على الوجه المذكور ولا مجال لتوهم كونه من قبيل التكليف بالمحال إذ تعلق الطلب بالمتضادين إنما يكون من قبيل التكليف بالمحال إذا كانا في مرتبة واحدة بأن يكون الأمر مريدا لإيقاعهما معا نظرا إلى استحالة اجتماعهما في الوجود بالنسبة إلى الزمان المفروض وأما إذا مطلوبين على سبيل الترتيب بأن يكون مطلوب الأمر أولا هو الإتيان بالأهم ويكون الثاني مطلوبا له على فرض عصيانه للأول وعدم إتيانه الفعل فلا مانع منه أصلا إذ يكون تكليفه بالثاني حينئذ منوطا بعصيانه للأول والبناء على تركه ولا يعقل هناك مانع من إناطة التكليف بالعصيان فلا منافاة بين التكليفين نظرا إلى اختلافهما في الترتيب وعدم اجتماعهما في مرتبة واحدة ليكون من التكليف بالمحال لوضوح عدم تحقق الثاني في مرتبة الأول وتحقق الأول في مرتبة الثاني لا مانع منه بعد كون حصوله مرتبا على عصيان الأول ولا بين الفعلين إذ وقوع كل منهما على فرض إخلاء الزمان عن الآخر ومن البين أنه على فرض خلو الزمان عن الآخر لا مانع من وقوع ضده فيه فإن قلت لو وقع التكليف مرتبا على النحو المفروض لم يكن هناك مانع منه على حسبما ذكر وليس الحال كذلك في المقام إذ المفروض إطلاق الأمرين المتعلقين بالأمرين المفروضين وليس هناك دلالة فيهما على إرادة الترتيب المذكور فمن أين يستفاد ذلك حتى يقال بوقوع التكليفين على الوجه المذكور قلت ما ذكرناه هو مقتضى إطلاق الأمرين بعد ملاحظة التقييد الثابت بحكم العقل فإن إطلاق كل من الأمرين يقضي بمطلوبية الفعل على سبيل الإطلاق ولما لم يكن مطلوبية غير الأهم في مرتبة الأهم لوضوح تعين الإتيان بالأهم وعدم اجتماعه معه في الوجود لزم تقييد الأمر المتعلق بغير الأهم بذلك فلا يكون غير الأهم مطلوبا مع الإتيان بالأهم وأما عدم مطلوبيته على فرض ترك الأهم وعصيان الأمر المتعلق به فمما لا دليل عليه فلا قاضي بتقييد الإطلاق بالنسبة إليه أيضا والحاصل أنه لا بد من الاقتصار في التقييد على القدر الثابت وليس ذلك إلا بالتزام ارتفاع الطلب المتعلق بغير الأهم على تقدير إتيانه بالأهم وأما القول بتقييد الطلب المتعلق به بمجرد معارضته بطلب