الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
237
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
يتوقف عليه الطاعة الواجبة وبقاء القدرة والاختيار على الطاعة مع ترك ذلك نظرا إلى أن الوجوب الحاصل في المقام إنما هو بالاختيار وهو لا ينافي الاختيار لا يقضي بانتفاء التوقف في المقام لوضوح حصول الوجوب هنا وإن كان بالاختيار فإذا كان المكلف متمكنا من دفعه وجب عليه ذلك لوضوح وجوب ترك الحرام على حسب الإمكان وحيث كان رفع الوجوب المفروض متوقفا على ذلك كان ذلك واجبا عليه من باب المقدمة إذ هو مما يتوقف عليه الاختيار الذي يتوقف عليه الفعل وإن كان التمكن من الفعل الذي هو مناط التكليف حاصلا من دونه فكون الشيء مما يتوقف عليه حصول الفعل بالاختيار لا يستلزم توقف التمكن من الفعل عليه كما يستلزمه ما يتوقف الفعل عليه في نفسه فهو في الحقيقة نحو من مقدمة الوجود أيضا فتحصل مما قررناه أن المكلف إن كان له صارف عن المعصية حاصلة له بفضل الله تعالى ومنتهى عليه من غير أن يكون المكلف محصلا له كان ذلك كافيا له في ترك المعصية ومن البين حينئذ أن ذلك الداعي لا يتصف بالوجوب إذ ليس من فعل المكلف ولا من آثار فعله وإن لم يكن ذلك حاصلا له لكن تمكنه من تحصيله قبل العصيان إذ يمكن من إزاحة الداعي الحاصل على خلافه بالمواعظ أو غيرها من الأمور الباعثة عليه ولو بالتماس غيره على اختياره ذلك إذ الكون في مكان لا يمكنه الإتيان أو يحتشم عن التعرض لمثله أو الاشتغال بفعل يمنعه عن ذلك أو يتسلط معه على مدافعة تلك الدواعي ونحو ذلك لزمه ذلك وإن كان صدور العصيان منه لولاه حاصلا باختياره فإنه يلزمه دفع ذلك الاختيار على حسب قدرته واختياره وحينئذ فإذا كان فعل الضد قاضيا بدفعه وجب عليه الإتيان به على حسبما يكون رادعا له عن العصيان من ارتكابه له قبل زمان الضد الآخر أو في حاله بإيجاده ذلك بدل إيجاده بحيث لو لم يشتغل به لاشتغل بالآخر إلا أن وجوب ذلك حينئذ لا يقضي بانتفاء المباح مطلقا ولو في تلك الصورة إذ لا يكون فعل كل من المباحات رادعا له عن العصيان ليجب الكل عليه تخييرا وإنما يكون الرادع خصوص بعض الأفعال ولو فرضنا كون المانع في بعض المقامات أي فعل من الأفعال فغاية الأمر انتفاء المباح في بعض الفروض النادرة بالنسبة إلى الشخص الخاص في بعض الأحوال وذلك مما لا يستنكر الالتزام به ولم يقم دليل على بطلانه ولم يظهر إنكار القوم فيه هذا غاية ما يتخيل في توضيح المرام وتبيين ما ذكره المصنف في المقام لكنك خبير بأن ما ذكر في القسم الثاني استدراك محض لا يناط به الجواب المذكور حيث إن قضية التوقف المفروض وجوب بعض الأفعال في بعض الأحوال ولا يختلف بسببه الحال في الجواب فإن حقيقة الجواب هو المنع من توقف الترك على فعل المباح مطلقا حسبما ذكره المستدل وإنما يتوقف على وجود الصارف حسبما قررناه غاية الأمر أن يتوقف الصارف في بعض الأحيان على ذلك أو على إرادة الضد حسبما مر ولا يقضي ذلك بانتفاء المباح حسبما رامه المستدل فالجواب في الصّورتين أمر واحد ثم لا يذهب عليك أن ما يقتضيه الوجه المذكور هو وجوب ما يتوقف عليه الترك وهو قد يكون ضدا متقدما وقد يكون مقارنا وفي صورة المقارنة يكون إرادة الضد كافية في تحقق الصّارف حسبما مر إلا أنه قد يتوقف بقاؤها على الاشتغال به فيحصل التوقف على الضد في الجملة وقد يكون غير ضدّ من سائر الأفعال أو والترك حسبما أشرنا إليه وكيف كان فالتوقف المفروض في المقام غير ما أخذ في الاستدلال فإن الظان أراد أنه لا يتم الترك إلا بفعل من الأفعال واقع مقام الحرام ولو لوحظ التوقف بالنسبة إلى خصوص ما يقارن الترك كما في بعض الفروض فجهة التوقف مختلفة والحاصل هنا على ما ذكر أمر آخر غير ما لا يلاحظه المستدل وما ادعاه المستدل فاسد قطعا نعم الأمر اللازم هو مجرد عدم الانفكاك بين الفعل حينئذ والترك بناء على امتناع خلو المكلف عن الفعل وهو غير التوقف المأخوذ في الاستدلال هذا ومن غريب الكلام ما ذكره المدقق المحشي رحمه الله في المقام في الجواب عن الدور المذكور مع مقارنة فعل الضدّ لترك الآخر أن وجود الضد الآخر يتوقف على عدم الضد الأول فعدمه يتوقف على عدم عدمه لا على وجوده فلا مانع من توقف وجود الضد الأول على عدم الضد الآخر إذ أقصى الأمر أن يلزم توقف وجود الضد الأول أعني ما يضاد المحرم المقارن لتركه على عدم ذلك المحرم ويكون عدم ذلك المحرم متوقفا على عدم عدم الضد الأول فيلزم توقف وجود الضد الأول على عدم عدمه ولا دليل على امتناعه إذ ليس ذلك من توقف الشيء على نفسه لاختلاف الأمرين وأنت خبير بوهنه إذ من الواضح أن الوجود وعدم العدم وإن اختلفا بحسب المفهوم الحاصل في العقل لكنهما متحدان بحسب الخارج إذ ليس الوجود إلا عين رفع العدم الذي هو عين عدم العدم ولذا كان الوجود والعدم نقيضين لا أن أحدهما لازم لنقيض الآخر ومن البين أن التوقف الحاصل في المقام على فرض ثبوته حاصل بالنسبة إلى الأمر الخارجي دون المفهوم الذهني فلا يعقل دفع الدور بمجرد اختلاف المفهومين ثم إن دعوى توقف عدم الضد الآخر على عدم عدم الضد الأول مما لا وجه لها إذ لا توقف له إلا على حصول الصارف عنه ولو فرض انتفاء سائر الصّوارف وتوقفه على تحقق الضد في الخارج كما هو المتوهم في المقام كان متوقفا على وجود الضد الأول حسبما ذكره المصنف لا على عدم عدمه كما ادعاه وليس جهة التوقف في المقام ما يظهر من كلامه من أن وجوده لما كان مستندا إلى عدم الأول كان عدمه مستندا إلى عدم عدمه بل الوجه فيه على مقتضى التقرير المذكور كون وجود الضد مانعا من الآخر فإيجاده قاض بارتفاع الآخر وسبب لرفعه فيتوقف إذن عدمه على وجود الآخر لا عدم عدمه كما ادعاه ثم إنه لا يذهب عليك أن ما ذكره الكعبي من الشبهة إن تمت دلت على انتفاء المندوب والمكروه أيضا لدوران الحكم بناء على الشبهة المذكورة بين الواجب والحرام وهو غير معروف عنه فإن خصّ المنع بالمباح كان ذلك نقضا على حجته وقد يحمل المباح في كلامه على ما يجوز فعله وتركه سواء تساويا أو اختلفا فيعم الأحكام الثلاثة لكن ظاهر كلامهم في النقل عنه خلاف ذلك حيث إنهم ذكروا الخلاف عنه في المبادي الأحكاميّة في خصوص المباح ولم يذكروه في المندوب والمكروه ويمكن أن يقال إن الشبهة المذكورة لا يقضي بنفيها إذ أقصى ما يلزم منها وجوب غير الحرام من الأفعال وثبوت التخيير بينها وذلك لا ينافي استحباب بعضها وكراهة بعض آخر منها لجريان الاستحباب والكراهة في الواجبات كاستحباب الصّلاة في المسجد وكراهتها في الحمام ووهنه ظاهر فإن الاستحباب والكراهة في المقام لا يراد بهما المعنى المصطلح وإنما يراد بهما معنى آخر نسبي حسبما فصل القول فيه في محل آخر فلا بد له من نفيهما بمعناهما المصطلح نعم لو جعل ذلك من قبيل اجتماع الحكمين من جهتين بناء على جوازه صح حملهما على المعنى المصطلح إلا أنه يجري ذلك بعينه في الإباحة أيضا فلا وجه للفرق قوله إذا تمهد هذا فاعلم إلى آخره هذا راجع إلى الكلام على أصل الاستدلال بعد تمهيد المقدمة المذكورة أعني بيان الحال في جواز اختلاف حكم المتلازمين وعدمه في أقسامه الثلاثة