الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
226
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
هي ليست إلا هي ومن الواضح عند التأمل الصحيح خلافه والحاصل أن ما ينتزع منه المفهوم المذكور حاصل في حقيقة الوجوب فالمنع من الترك حاصل بحصول الوجوب لا بعد حصوله ليكون له حصول آخر متأخر عن الوجوب كما هو الحال في اللوازم التابعة لملزوماتها وعدم التفات الذهن إلى التفصيل المذكور عند تصور الإيجاب لا يفيد عدم كونه مأخوذا في حقيقته لوضوح أن تصور الكل لا يستلزم تصوّر الأجزاء تفصيلا إلا إذا كان التصور بالكنه ومن هنا يتبين أنه لا وجه لجعل الدلالة على الجزء حاصلة بالدلالة على الكل مطلقا بل لا بد فيه من تفصيل يذكر في محله فظهر بما قررنا أن ما ذكر في الإيراد من كون حقيقة الوجوب معنى بسيطا لا جزء له أريد به أنه أمر بسيط في الخارج لا جزء له أصلا حتى لا يكون المنع من الترك جزءا له وإنما هو لازم له باللزوم البين بالمعنى الأعم فهو فاسد لما عرفت من أن البساطة الخارجية لا ينافي التركيب في العقل والانحلال إلى أمور وهو كاف في كون الدلالة تضمنية كما هو الحال في المقام وإن أريد أنه بسيط في العقل لا ينحل إلى أمور عديدة وإنما يكون المنع من الترك من لوازمه وتوابعه المتأخرة عنه في الوجود كغيره من اللوازم فهو بين الفساد بعد ملاحظة ما قررنا فإن قلت إذا كان النهي عن الترك جزءا من مدلول الوجوب لزم أن يكون مدلول النهي جزءا من مدلول الأمر فيكون الأمر إذن مشتملا على طلبين وهو ظاهر الفساد لوضوح أن مفاد الأمر ليس إلا طلبا واحدا متعلقا بالفعل قلت الذي يتراءى من كلام المصنف رحمه الله وغيره هو ذلك لكن ذلك غير لازم مما قررناه والتحقيق أن النهي عن الترك ليس مدلولا تضمنيّا للأمر بالشيء إذ ليس هناك طلب آخر في ضمن الأمر متعلق بالترك وليس المنع من الترك المأخوذ جزءا من الوجوب عبارة عن النهي عن الترك بل هو عنوان من الخصوصيّة المأخوذة مع الطلب المائزة بينه وبين الندب فإن تحتم الطلب كونه بحيث يمنع من ترك المطلوب وحيثية تحتم أحد النقيضين هي بعينها حيثية إلزام دفع الآخر فإن كلا من النقيضين دفع للآخر فليس هناك طلب آخر متعلق بالترك ولا تحتم آخر متوجه إليه بل هناك طلب وتحتم أمر واحد متعلق بالفعل وهو بعينه طلب لترك الترك وتحتم له لكون الفعل بعينه تركا للترك ورفعا له فطلب ترك الترك هو عين طلب الفعل وحتميته عين حتمية ذلك الطلب فظهر أن دلالة الأمر بالشيء على النهي عن ضده العام ليس على سبيل التضمن ولا الالتزام بل ليس مفاد النهي المفروض إلا عين ما يستفاد من الأمر وإنما يتغايران بحسب الاعتبار من غير أن يكون هناك طلبان وتكليفان أصلا فليس معنى الطلب ثانيا مأخوذا في المنع من الترك بل المقصود من المنع من الترك المأخوذ قيد الطلب الفعل هو حيثية تحتم الطلب المتعلق بالفعل ولما لم يمكن انفكاك تصوّره عن تصور الطلب اعتبر معنى الطلب ثانيا عند التعبير عن تلك الخصوصية فعبر عنه بالمنع عن الترك ألا ترى أنه يعبر عن مدلول النهي بطلب الترك مع المنع من الفعل ومن الواضح أنه ليس هناك طلبان حاصلان في التحريم يؤخذ أحدهما جنسا والآخر جزءا من الفصل بل لما كان تصور مفهوم الفصل حاصلا بضمه إلى الجنس اعتبر فيه ذلك المعنى الجنسي على وجه الإجمال ليتصوّر معه الخصوصية المفروضة والفصل بحسب الحقيقة إنما هو تلك الخصوصية لا غير وقد لوحظ نظير ذلك في سائر الفصول أيضا ألا ترى أنه قد لوحظ مفهوم الذات التي ينضم إليها النطق في الناطق وكذا في غيره من الفصول مع أنه من المبرهن عندهم عدم أخذ مفهوم الذات في الفصول فليس ذلك ملحوظا إلا من جهة التبعية والفصل إنما هو الأمر المنضم إليه فدلالة الأمر على الخصوصية المذكورة تضمنية ولا يستلزم ذلك أن يكون دلالته على النهي عن الترك كذلك وإنما وقع الشبهة في المقام من جهة ملاحظة مفهوم المنع من الترك حيث يرى أن مفاده طلب ترك الترك على سبيل الجزم الذي هو عين مدلول النهي وقد عرفت أن أخذ الطلب فيه ثانيا إنما هو من جهة تصوّر الخصوصية المفروضة وليس هناك طلب آخر ملحوظ في جانب الترك أصلا فليس هناك إلا طلب واحد يتعلق بالفعل وإن انحل ذلك إلى مفهومين إذ لا يجعله ذلك تكليفين وطلبين وليس ترك الفعل المفروض إلا حراما أصليا نفسيّا باعثا على استحقاق العقوبة لكونه عصيانا ومخالفة للأمر المتعلق بالفعل فحرمة الترك مفاد وجوب الفعل كما أن وجوب الفعل مفاد حرمة الترك وكذا الحال بالنسبة إلى حرمة الفعل ووجوب الترك ولذا كان ترك كل حرام واجبا وترك كل واجب حراما من غير أن يكون هناك تكليفان فحيثية الأمر بالفعل هي حيثية النهي عن الترك إذ ترك الترك هو عين الفعل بحسب الخارج لكون الفعل والترك نقيضين وكل منهما دفع الآخر فيكون طلب كل منهما لترك الآخر وخصوصية ذلك الطلب الحاصل في الأمر بأحدهما حاصل في النهي عن الأمر فإذا كان الأمر بالفعل على وجه الإلزام كان النهي عن تركه كذلك أيضا قوله إن كل متغايرين يعني بحسب الوجود لا بمجرد المفهوم فلا يرد عليه أن مفهومي الفصل والجنس لا يندرجان في شيء من الأقسام المذكورة قوله ما لا يفتقر اتصاف الذات بها يعني به الصفات المتشرعة عن نفس الذات مع قطع النظر عن الأمور الخارجية عنها المنضمة إليها ومحصّله التساوي في الذاتيات قوله ضرورة أنه يتحقق في الحركة إلى آخره قد يورد عليه تارة بأن الأمر من حيث الصّدور يعني إذا اعتبر مصدرا بمعنى الفاعل قائم بالأمر ومن حيث الوقوع يعني إذا اعتبر مصدرا بمعنى المفعول قائم بالمأمور به وكذا الحال في النهي فلا قيام لها بالفعل المأمور به ليلحظ امتناع اجتماعهما بالنسبة إليه وعدمه وأخرى بأن المفروض تعلق الأمر بالشيء وتعلق النهي بضده فيكون أحد الأمرين وصفا للشيء والآخر وصفا لمتعلقه ولا مانع من اجتماع الضدين على الوجه المذكور كما في زيد قبيح حسن غلامه وأجيب عن الأول تارة بأن تضاد الأمر والنهي وإن قضى بامتناع قيامهما بموصوف واحد وهو الأمر أو المأمور دون الفعل المأمور به إذ لا قيام لشيء منهما به إلا أن المتضادين كما يمتنع اتصاف شيء واحد بهما على سبيل الحقيقة كذا يمتنع أن يكونا وصفين بحال المتعلق بشيء منهما واحد بالنسبة إلى متعلق واحد كما في زيد أسود الغلام وأبيضه مع اتحاد الغلام فكذا الحال في المقام فلو كانا متضادين لم يكن اتصاف فعل الواحد بهما على الوجه المذكور وتارة بأنه ليس مراد المستدل بيان اتحاد الأمرين محل المفروضين بدعوى كون الحركة موصوفا بالأمرين المذكورين بل المقصود بيان اتحاد متعلق الأمرين المذكورين لتحقق شرط التضاد بينهما على فرض كونهما ضدين لوضوح أنه لا تضاد بين الأمر والنهي مع تغاير المتعلق ضرورة إمكان صدورهما حينئذ عن أمر واحد وجواز وقوعهما على مأمور واحد فالمقصود بيان حصول الشرط المذكور