الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
219
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
وجوبه قامت المعارضة بين الدليلين المذكورين فلا بد من ملاحظة الجمع بينهما بتقييد أحدهما بالآخر ونحو ذلك إن أمكن ذلك بحسب المقام والأخذ بمقتضى التعادل والترجيح ويظهر من بعض أفاضل المتأخرين الجمع بين الأمرين نظرا إلى جعله وجوب المقدمة من مقتضيات وجوب ذيها لا من لوازمه فيصح الانفكاك بينهما بعد قيام الدليل عليه وقد عرفت ضعفه إذا تقرر ذلك فنقول إذا ثبت عدم وجوب بعض مقدمات الفعل سواء ثبت تحريمه أو كراهته أو غيرهما من الأحكام قضى ذلك بعدم وجوب ذلك الفعل لكن لا مطلقا بل على سبيل الإطلاق فلا مانع حينئذ من كونه واجبا مشروطا بوجود تلك المقدمة إذ لا مانع من حرمة مقدمة الواجب المشروط أو ثبوت سائر الأحكام لها نظرا إلى ما تقرر من عدم وجوبها وحينئذ فلو دل الدليل على وجوب ذلك الفعل في الجملة أمكن الجمع بينهما بحمله على الوجوب المشروط وتقييد إطلاق وجوبه بذلك وحينئذ فإن كانت تلك المقدمة المحرمة مثلا متقدمة على الفعل وتصدى المكلف بفعلها فلا إشكال حينئذ في تعلق الوجوب بذلك الفعل وصحة الإتيان به لتعلق الأمر به بعد الإتيان بمقدمته المحرمة ومقتضى الأمر الإجزاء والصحة وأما إن كانت مقارنة للفعل أو متأخرة فقد يتخيل حينئذ عدم صحة الفعل المذكور لكون المقدمة المذكورة حينئذ من مقدمات الوجوب فلا يتعلق أمر بالفعل قبل حصولها فلا يعقل القول بصحته ويمكن دفعه بأن مقدمة وجود الشيء لا يجب تقدمها على حصول ذلك الشيء بل يقارنه وقد يتأخر عنه ألا ترى أن الإجازة الحاصلة من المالك في البيع الفضولي شرط في حصول الانتقال حال العقد بناء على المعروف من كون الإجازة كاشفة لا ناقلة ومع ذلك يتأخر عنه فحينئذ نقول إن مقدمة الوجوب من مقدمة الوجود بالنسبة إلى الوجوب فحصول الوجوب إذا كان متوقفا على وجود المقدمة المذكورة في الجملة فقد يكون متوقفا على وجود ذلك الفعل إذ لا يتفرّع عليه الوجوب المفروض وحينئذ فلا إشكال في عدم صحة ذلك الفعل قبل حصول مقدمته المفروضة وقد يكون متوقفا على حصول ذلك الفعل سواء في الجملة كان متقدما عليه أو مقارنا له أو متأخرا عنه بل وقد يتوقف على خصوص حصوله المتأخر فيكون حصوله أخيرا كاشفا عن وجوب ذلك أولا وحينئذ فلا مانع من صحة الفعل مع حرمة مقدمته المذكورة وإن كانت متأخرة لكون وجودها أخيرا ولو على وجه محرم كافيا في وجوب ذلك الفعل أولا وقد يجعل من ذلك اعتبار تبعية النصاب إلى انقضاء الشهر الثاني عشر في وجوب الزكاة عند دخوله بناء على اعتبار بقاء النصاب طول الشهر في الوجوب كما ذهب إليه جماعة فلو فرضنا حينئذ حرمة تبعية النصاب كما إذا كان له غريم يطالبه بحقه وكان الوفاء منحصرا بدفعه لم يمنع ذلك من وجوب الزكاة عليه وصحته دفعه إذا لم يكن ما يدفعه في الزكاة منافيا لأداء حق الغريم بل ولو كان منافيا أيضا في وجه ويتفرغ على ما قررناه أن ترك الواجب المضيق إذا كان من مقدمات أداء الموسع لم يمنع تحريمه من صحة ما يتوقف عليه من فعل الموسع ليكون قاضيا بسقوط الأمر المتعلق به القاضي بفساد فعله وسيجيء تفصيل القول به فيه إن شاء الله في المسألة الآتية رابعها [ في بيان عدم اختصاص وجوب المقدمة بالموصلة منها وبيان الخلاف فيه . ] أنه قد يتخيل أن الواجب من المقدمة هو ما يحصل به التوصل إلى الواجب دون غيره فإذا أوجب الشارع علينا الحج كان قطع المسافة الموصلة إلى الحج واجبا علينا لا مطلقا فلو قطع المسافة إلى مكة المشرفة وترك الحج لم يكن آتيا بالمقدمة الواجبة وكذا لو أتى بالوضوء وترك الإتيان بالصلاة ومن ذلك ما إذا كان له صارف عن أداء الواجب فإنه يخرج بذلك سائر ما يأتي به من مقدمات الفعل عن الوجوب فلا مانع حينئذ من تركها حيث إنه لا إيصال لشيء منها إلى الواجب وإن كان المكلف تاركا للمقدمة الواجبة أيضا أعني خصوص الموصلة إلى الواجب إلا أن ما يقدم على تركه من الشرائط أو فعله من الموانع وأضداد الوجوب ليس تركا للواجب ولا إقداما على الحرام مع وجود الصارف عن الواجب وعدم إيصال شيء منها إلى فعله على فرض الإتيان بها أو تركها وقد يستفاد ذلك من المصنف في ذيل المسألة الآتية حيث قال إن حجة القول بوجوب المقدمة على تقدير تسليمها إنما ينهض دليلا على الوجوب في حال كون المكلف مريدا للفعل المتوقف عليها كما لا يخفى على من أعطاها من النظر وكأنه إنما خص الوجوب بها في تلك الحال من جهة التوصل بها عند إرادة ما يتوقف عليها دون ما إذا لم يكن مريدا له إذ لا يتوصل بها حينئذ إلى فعله والأظهر كما هو ظاهر الجمهور ووجوب المقدمة من حيث إيصالها إلى أداء الواجب فالمقدمة التي لا يتحقق بها الإيصال إلى الواجب واجب الحصول من حيث التوصل بها إلى الواجب فيجب الإتيان بها والتوصل إلى الواجب من جهتها فإذا لم يتوصل المكلف بها إلى الواجب لم يخرج المقدمة عن الوجوب فإذا وجب علينا شيء وجب الإتيان بما يتوقف عليه لا من جهة أدائه بل من حيث أدائه إلى الواجب ويجب علينا الإقدام على فعل الواجب بعد الإتيان بمقدمته فعدم الإقدام على الواجب بعد الإتيان بالمقدمة لا يخرج ما أتى به من المقدمة عن الوجوب فإنها واجبة من حيث كونها مؤدية إلى الواجب وإن لم يحصل التأدية إليه لإهمال المكلف فإن عدم حصول الأداء بها لا ينافي اعتبارها من حيث كونها مؤدّيا ليحكم بوجوبها من تلك الجهة وبالجملة أنه لا يتنوع المقدمة من جهة إيصالها إلى ذي المقدمة وعدمه إلى نوعين ليقال بوجوب أحدهما دون الآخر فليس هناك إلا فعل واحد متصف بالوجوب من حيث كونها موصلة إلى الواجب سواء أتى بها إلى تلك الجهة أو لا وتلك الجهة حاصلة فيها سواء تحقق بها الإيصال إليه أو لا نعم لو فرض انتفاء الجهة المذكورة عن المقدمة لم يكن واجبة وحينئذ يخرج عن عنوان المقدمة كما لا يخفى فلا فرق في وجوبها بين وجود الصارف الاختياري عن أداء الواجب وعدمه ولو كان هناك صارف عن الواجب خارج عن اختيار المكلف خرجت به المقدمة عن الوجوب لانتفاء الحيثية المذكورة وحينئذ يسقط التكليف بالواجب أيضا والتأمل في الأدلة المتقدمة لوجوب المقدمة قاض بما قلنا كما لا يخفى على من أعطاها حق النظر وقد نص على ما ذكرنا غير واحد من أفاضل المتأخرين مصرّحا بأن ما دل على وجوب المقدمة إنما ينهض دليلا على الوجوب المطلوب