الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
214
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
وقضية ذلك وجوب ما يتوقف عليه وإلا لزم التناقض إذ مفاد ذلك وجوب تحصيل الشيء بما لا يجب تحصيله به وجوابه ظاهر فإنه إن كان المراد بوجوب تحصيله الواجب هو الإتيان به فالإجماع على وجوبه مسلم ودلالته على وجوب ما يتوقف ذلك الإتيان عليه أول الدعوى وإن أريد به غير ذلك فدعوى الإجماع على وجوبه ممنوعة ولو سلم ذلك فإنما يسلم بالنسبة إلى الأسباب حيث إنها المفضية إلى وجود المسببات وأن تحصيل المسببات إنما يمكن باختيار الأسباب وأما بالنسبة إلى غير السبب فلا ممنوع ذلك ومنها أن ترك المقدمة يشمل على جهة مقبحة لإفضائه إلى ترك الواجب فيكون قبيحا إذا كان تركها قبيحا كان فعلها واجبا وهو راجع إلى بعض ما مر من الأدلة وجوابه ظاهر بعد ملاحظة ما قررناه فإنه إن أريد باشتمال ترك المقدمة على الوجه المقبح اشتماله بنفسه على ذلك فهو ممنوع فإن كون المؤدي إلى ترك الواجب قبيحا ممنوعا منه أول الدعوى وإن أريد اشتمال ما يقضي إليه أعني ترك الواجب على القبح فهو مسلم ولا يقضي ذلك بقبح ترك المقدمة إلا مع البناء على وجوبها ويمكن دفعه بنحو ما مر فإنا نرى أنه قد منع الشارع من أمور كثيرة من غير أن يكون هي بنفسها مشتملة على جهة قبحه وإنما نهى الشارع عنها لإفضائها إلى القبيح وذلك بعينه حاصل في المقام فإنه إذا كان الإفضاء إلى القبيح سببا للتحريم والمنع من حيث أدائه إليه كما هو قضية حكم العقل وجرت عليه التكاليف الصادرة من العقلاء جرى ذلك في المقام نظرا إلى أدائه إلى القبيح وإلا لم يصح الحكم بالمنع فيما علم انحصار حجة المنع منه في ذلك ومن الظاهر خلافه والحاصل أن الشارع كما يلاحظ في المنع من الشيء جهة القبح الحاصلة فيه فكذا يلاحظ جهة القبح الحاصلة فيما يترتب على ذلك الشيء والعلة المذكورة حاصلة في المقام فلا وجه لتخلف المعلول عنه وأنت خبير بأن ذلك إن تم فإنما يجري فيما إذا كان ترك المقدمة هو السبب المفضي إلى ترك الواجب وأما إذا استند ترك الواجب إلى غيره وكان ذلك مقارنا من غير أن يكون مستندا إليه فلا يتم ذلك إذ أقصى ما يلزم حينئذ أن يكون من شأنه ترتب ذلك عليه وذلك لا يفيد قبحه فعلا مع عدم ترتبه عليه كما مرت الإشارة إليه نعم إن تم القول بعدم القول بالفصل أمكن إتمام الدليل بضمه ومنها أنا إذا تتبعنا موارد الشرع وجدنا حكم الشارع بوجوب كثير من المقدمات ألا ترى أنه حكم بمنع نكاح زوجته المشتبهة بالأجنبية ولبس أحد الثوبين المشتبهين بالنجس واستعمال أحد الإناءين المشتبهين بالنجس إلى غير ذلك فإنه لم يمنع من ذلك إلا لتوقف حصول الاجتناب من الحرام على ذلك أو لتوقف العلم بالاجتناب عليه وأنت خبير بأن أقصى ما يفيده الاستقراء الظن بالحكم ولا حجية في مطلق الظن بالنسبة إلى الفروع فكيف بالأصول على أنه قد يناقش في حصول الاستقراء في المقام بحيث يعلم ثبوت الحكم بالنسبة إلى الغالب حتى يمكن تحصيل الظن بإلحاق الباقي بها لكون الظن يلحق المجهول بالأعم الأغلب ومنها أن ضرورة العقل قاضية بالتناقض بين القول بأني أطلب منك الشيء الفلاني على سبيل الحتم والجزم ولا ألزمك بمقدمته المتوقفة عليه الذي لا بد منه في الوصول إلى ذلك بوجه من الوجوه ولو من جهة إيصاله إلى ذلك الفعل وأدائه إليه بل أنت بالخيار وعندي في فعله وتركه ولو من جهة الإيصال إلى مطلوبي كيف ومن المعلوم بالضرورة أن المنع من الشيء وتحريمه والإذن في السبب الموصل إليه كالمنع من قتل زيد والتهديد عليه والإذن في ضرب عنقه والحكم بجوازه يعد عرفا من الهذيان لوضوح التناقض بينهما بضرورة الوجدان والقول بالواسطة بالمنع من الشيء والإذن فيه من العاقل المتفطن العالم بحقيقة الأمر حتى يقال في المقام بعدم جواز الإذن فيه وإن لم يكن ممنوعا منه أيضا فاسد لوضوح أن عدم المنع من الفعل مع التفطن له إذن في الإتيان به بالنسبة إلى من لا يعقل في شأنه التردد في الأمر ولو سلم ذلك فهو في حكم العقل حينئذ إما أن يكون ممنوعا منه أو لا والأول يثبت المدعى والثاني قاض بجواز الترك والفرق بين حكم العقل والشرع وجواز الانفكاك بين الحكمين بين الفساد حسبما مر وحينئذ فكيف يعقل جواز ترك المقدمة مع المنع من ترك ذي المقدمة وعدم جوازه أقول إنه إذا تحقق الملازمة بين الشيئين إما من جانب أو من جانبين كان الحكم الثابت للملزوم ثابتا للازم بالعرض بمعنى أنه إذا وجب الملزوم كان اللازم واجب الحصول لا بمعنى أنه واجب آخر حتى يتعدد الواجب بل بمعنى أن الوجوب المتعلق بالملزوم ذاتا متعلق بلازمه عرضا فليس وصف الوجوب عارضا له على الحقيقة وإنما هو من عوارض ملزومه إلا أنه لعدم إمكان انفكاكه عنه بحسب الوجود يكون الإتيان به واجبا بالعرض من جهة وجوب ملزومه وليس وجوبه كذلك اتصافا له بالوجوب على الحقيقة فمفاد وجوبه في الخارج هو وجوب ملزومه فلذا يصح سلب الوجوب عنه على الحقيقة حسبما مر تفصيل القول فيه إذا تقرر ذلك فنقول إن هذا النحو من الاتصاف بالوجوب يمنع من حكم العقل أو الشرع بجواز ترك ذلك الفعل على سبيل الإطلاق لوضوح أن الإقدام على تركه إنما يكون بالإقدام على ترك ملزومه والمفروض المنع منه غاية الأمر صحة الحكم بجواز تركه بملاحظة ذاته لا مطلقا فظهر بما ذكرنا أن أقصى ما يفيده الدليل المذكور هو وجوب المقدمة على النحو المذكور فحصول الملازمة بين وجود ذي المقدمة ومقدمته قاض بالمنع من اجتماع الحكمين المذكورين على سبيل الإطلاق ولذا يصح الحكم بجواز ترك المقدمة بملاحظة ذاتها من غير تناقض أصلا وقد عرفت أن المقصود من القول بوجوب المقدمة غير ذلك وأن ما تخيله بعض الأعلام من أن الوجوب الثابت للمقدمة إنما هو على الوجه المذكور من على نحو لوازم الواجب ولواحقه قول بإنكار وجوب المقدمة مطلقا فإن القائلين بعدم وجوبها يقولون بذلك قطعا إذ هو من لوازم اللابدية المعتبرة في مفهوم المقدمة بعد ثبوت الوجوب لما يتوقف عليها كما مرت الإشارة إليه واتصاف المقدمة بالوجوب على القول به حقيقي فالوجوب حينئذ حال من أحوالها وإن كان غيريا حسبما عرفت ولا يستفاد من الدليل المذكور ذلك أصلا ومنها أنه لو لم يجب المقدمة لصح الإتيان بالفعل من دونها والتالي واضح الفساد لامتناع وجود الموقوف بدون ما يتوقف عليه وأما الملازمة فلأن ما لا يجب الإتيان به يجوز تركه وجواز ترك شيء عند الأمر الموجب لإيجاد شيء قاض بجواز الانفكاك بين الشيئين إذ لا يعقل جواز ترك الشيء مع عدم جواز ترك ما لا يمكن انفكاكه عنه ومنها أن المقدمة لا بد منها في إيجاد الفعل فيمتنع تركها بالنسبة إلى فاعل ذلك الفعل فالأمر المتعلق بذلك الفعل القاضي