الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

212

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

ما فيه ضررهم وذلك طريقة جارية بين العقلاء لا يرتابون فيه وقد جرى عليه الشارع في كثير من التكاليف الشرعية فيكون ذلك برهانا لميّا على مراعاته ذلك فيما لم يتعلق به صريح الأمر فتأمل [ الحجة الثالثة . ] ومنها أنه قد تقرر أن تحريم المسبب قاض بتحريم سببه المؤدي إليه وحينئذ فنقول إن ترك كل من الشرائط والمقدمات سبب لترك مشروطه وما يتوقف عليه ومن البين أن إيجاب المشروط والمتوقف قاض بالمنع من تركه فتكون الشرائط والمقدمات أيضا ممنوعا من تركها لإفضائها إلى الحرام فإذا كان تركها حراما لكونه سببا للحرام كان فعلها واجبا وهو المدعى وفيه بعد الغض عن المناقشة في تحريم سبب الحرام إذ قد ينكره من ينكر وجوب المقدمة مطلقا أن سبب المحرم إنما يكون محرما إذا كان هو الباعث على حصول الحرام والمقضي إليه دون ما يكون من شأنه ذلك فإذا لم يستند إليه حصول المحرم وإنما كان وجوده من المقارنات لوجوده فلا تحريم فيه أصلا ومن البين أن انتفاء الواجب إنما يتفرع على انتفاء الداعي إليه فلا يستند الترك إلا إليه وهو المسبب لحصوله دون ترك سائر المقدمات وإن كان لترك كل منها شأنية السببية فقد يقال إن مقتضى الدليل المذكور وجوب خصوص السبب دون غيره من المقدمات إذ الداعي إلى الفعل هو الإرادة الجازمة المسماة بالإجماع وهو السبب لوجود الفعل وفيه مناقشة ظاهرة والأولى أن يقال إن مفاد ذلك حرمة خصوص المقدمة التي يستند ترك الواجب إلى تركها لا مطلقا ومن البين أن ترك الواجب في الحقيقة إنما يستند إلى ترك بعضها ويكون ترك البواقي مجرد مقارنة لترك الواجب من غير أن يكون لها بعث على تركه فأقصى ما يفيده الدليل المذكور تحريم الترك المفروض دون ترك سائر المقدمات مما يثبت لها شأنية التسبيب إلا أن يتم ذلك حينئذ بعدم القول بالفصل وفي إثباته في المقام تأمل ومنها أنه لو أمر المولى كلا من عبيديه بفعل مخصوص في بلد بعيد في وقت معين وأتم الحجة عليهما في التكليف فتعمدا ترك المسير إلى البلد المذكور عند تضيق الوقت الذي يسع المسير إليه من غير عذر باعث على الترك فاتفق أحدهما قبل حضور وقت الفعل وبقي الآخر فإما أن يكونا عاصيين بذلك مستحقين للعقوبة أو لا يتحقق العصيان منهما ولا يستحقان للعقوبة أو يثبت ذلك بالنسبة إلى الحي دون الميت أو بالعكس والآخر واضح الفساد وكذا الثاني والثالث فاسد أيضا لاستوائهما في الأفعال الاختيارية ولا تفاوت بينهما إلا باتفاق موت أحدهما وبقاء الآخر وليس ذلك من الأفعال الاختيارية ليكون دخيلا في إثبات الاستحقاق ونفيه بمقتضى قواعد العدلية وإنما هو من فعل الله تعالى وإذ إبطال الوجوه الثلاثة تعين الأول وبه يتم المقصود إذ لولا وجوب المقدمة لم يعقل تحقق العصيان منهما إذ ليس المتروك بالنسبة إلى الميت فيها سوى مقدمة الواجب وفيه أولا أنه لو تم ما ذكر لزم كونهما عاصيين بترك نفس الفعل لوضوح كون الثاني عاصيا بذلك فيلزم أن يكون الأول أيضا عاصيا به لاستوائها في الأفعال الاختيارية التي هي مناط التكليف حسبما أخذ في الاستدلال المذكور مع أنه لا يقول به المستدل وإلا لم يفد ذلك وجوب المقدمة كيف ومن المقرر عدم جواز الأمر بالفعل المشروط مع علم الآمر بانتفاء الشرط وإذا لم يكن ثمة أمر لم يعقل حصول العصيان من جهته وثانيا بالمنع من كونهما عاصيين إذ بعد تسليم عدم تكليف الأول بنفس الفعل كما عرفت لا يعقل عصيان بالنسبة إليه من جهة تركه ذلك الفعل ولا من جهة ترك ذلك الفعل مقدمته لوضوح عدم وجوب المقدمة مع عدم وجوب ذيها فلا وجه للحكم باستوائهما في العصيان واستوائهما في الأفعال الاختيارية لا يقضي بحصول العصيان منها مع انكشاف انتفاء القدرة بالنسبة إلى أحدهما وكونها من شرائط التكليف قطعا نعم ربما يصح ما ذكره بالنسبة إلى غير أوامر الشرع فيما إذا اعتقد الأمر ولو بحسب ظاهر الحال بقاء العبد فأطلق الأمر بالنسبة إليه فإنه يجب عليه حينئذ أداء الفعل في الوقت الذي عينه لأدائه ويكون بقاء ذلك التكليف حينئذ مشروطا ببقاء العبد فحينئذ يعقل القول بوجوب مقدمته قبل سقوط التكليف عنه بسبب انتفاء الشرط عند حضور وقت الفعل بناء على كون الوقت شرطا لأداء الفعل لا لوجوبه كما سيجيء تفصيل القول فيه إن شاء الله إلا أن الفرض المذكور خارج عن محل البحث فإن محط الكلام في المقام خصوص أوامر الشرع ولا يعقل ذلك بالنسبة إليها وثالثا بأن ذلك لو تم لدل على استحقاقه العقوبة على ترك نفس المقدمة لتسليمه وابتناء كلامه على عدم وجوب ذي المقدمة بالنسبة إليه كما عرفت وذلك قاض بوجوب المقدمة لنفسها وقد عرفت وضوح فساده والتحقيق أن يقال باستحقاق العبدين المفروضين للعقوبة إلا أنه يختلف جهة الاستحقاق بالنسبة إليهما فإن العبد الباقي إنما يستحق العقوبة من جهة إقدامه على ترك الواجب بسبب اختياره لترك المقدمة وإتيانه بالسبب المفضي إلى تركه وأما الآخر فلا يستحق العقوبة على ترك ذلك الواجب لما عرفت من انتفاء الوجوب بالنسبة إليه وإنما يستحق العقاب من جهة تجريه على ترك الواجب حيث إنه اعتقد بقاءه إلى حين الفعل ومع ذلك تصدى لما يفضي إلى ترك ذلك الفعل عند حضور زمانه فحصول العصيان واستحقاق العقوبة إنما هو من جهة ترك نفس الواجب واقعا أو من جهة التجري عليه وذلك مما لا مدخل له في وجوب المقدمة وعدمه ولو تشبث حينئذ بحصول العصيان والمخالفة بسبب ترك المقدمة وإن كان لأدائه إلى ترك ذيه وهو كاف في إفادة المقصود وكان ذلك رجوعا إلى الوجه المتقدم فلا حاجة إلى ضم المقدمات المذكورة ولا فرض المسألة في العبدين المفروضين كما لا يخفى [ الحجة الرابعة . ] ومنها أنه قد تقرر عند العدلية لزوم العوض على الله سبحانه بإلزام المشقة على العبد حيث إن إلزامها على المكلف من غير عوض قبح عقلا وذلك قاض بترتب الثواب على المقدمة أيضا إذ لا كلام لأحد في لزوم الإتيان بها ولابدية المكلف في فعلها نظرا إلى عدم إمكان حصول الواجب من دونها فيكون التكليف بنفس الواجب باعثا على إلزام المكلف بأداء مقدماتها واللازم من ذلك كما عرفت تقرير عوض بأدائها ويتفرع على ترتب الثواب عليها رجحانها ومن البين أن مطلق الرجحان لا يتقوم بنفسه فلا بد من انضمامه إلى أحد الفصول وحيث إنه لا قائل باستحباب المقدمة تعين ضم المنع من الترك إليه فتكون واجبة وأنت خبير بما فيه أما أولا