الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
208
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
وإن أريد منع الملازمة بين عدم الوجوب بذلك الأمر وعدم وجوبها بأمر آخر فهو كذلك إلا أنه لا ينافي صحة الاحتجاج فإن المقصود منه تفرع الفساد المذكور على جواز تركها نظرا إلى الأمر المذكور فإنه إذا جاز تركها بملاحظة الأمر المتعلق بذيها فتركه المكلف إن بقي ذلك التكليف بحاله كان تكليفا بما لا يطاق إلى آخر ما ذكر ووجوب المقدمة بأمر خارجي مستقل لا ربط له بالمقام مضافا إلى أنه لا قائل بوجوب المقدمات على إطلاقها بأوامر مستقلة أقصى الأمر أن لا تنتهض الدليل بالنسبة إلى بعض المقدمات مما ثبت وجوبه من الخارج ونهوضه بالنسبة إلى بعض المقدمات كاف في إثبات المقصود وأما ثالثا فلأن المدعى ثبوت الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدمته بحسب الواقع والدليل المذكور قاض بثبوتها إذ على فرض عدم وجوبها في الواقع يكون تركها جائزا بحسب الواقع إلى آخر ما ذكر ولم يؤخذ في المدعى كون إيجاب ذي المقدمة سببا لإيجاب مقدمته في الواقع غاية الأمر كون العلم بوجوبه سببا للعلم بوجوب الآخر سواء كانت السببية حاصلة على الوجه الأول أيضا أو لا ومنها النقض بأنه لو صح ما ذكر من الدليل لزم عدم جواز التكليف من رأس وتقرير الملازمة بوجهين أحدهما أن كل فعل لم يصل إلى حد الوجوب أو الامتناع لم يكن موجودا ولا معدوما فهو في حال وجوده متصف بالوجوب وفي حال عدمه بالامتناع ولا يصح التكليف بالفعل في شيء من الحالين لتوقفه حسب ما ذكر في الدليل على الإمكان المنفي في الصورتين والقول باتصافه بالإمكان قبل مجيء الزمان المفروض على فرض صحته لا يثمر في المقام إذ المعتبر من الإمكان المعتبر في المكلف به هو ما كان في زمان إيجاد الفعل أو تركه لا ما كان متقدما عليه ثانيهما أن كل حادث وجد في زمان أو لم يوجد فبلزوم وجوبه في ذلك الزمان أو امتناعه حاصل في الأول لما تقرر من استناد الممكنات إلى الواجب وأن الشيء ما لم يجب امتنع وجوده فما وجد في زمان فهو مما يجب في الأول حصوله في ذلك الزمان وما لم يوجد يمتنع حصوله فيه غاية الأمر عدم علمنا بأسباب الوجوب أو الامتناع قبل مجيء ذلك الزمان وقد يحصل العلم ببعضها كما هو المفروض في المقام فإن ترك المقدمة سبب لامتناع الإتيان بالفعل فإذا لم يصح التكليف بسبب الامتناع المفروض لم يصح في شيء من التكاليف للعلم الإجمالي بحصول أسباب امتناعه مع عدم الإتيان به بالفعل وحصول أسباب وجوبه مع الإتيان به وإن لم يعلم خصوص السبب الموجب لأحد الأمرين ومنها الحل فإنا نختار بقاء الوجوب ولزوم التكليف بما لا يطاق ممنوع إذ ليس التكليف بأي ممتنع من قبيل التكليف بما لا يطاق إذ من الممتنعات ما يكون امتناعه من جهة اختيار المكلف ولا مانع من تعلق التكليف به فنقول إن ترك المقدمة لما كان باختيار المكلف كان ترك ذي المقدمة أيضا عن اختياره ومن المقرر أن الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار وبعضهم حمل الجواب المذكور في كلام المصنف رحمه الله على ذلك وحاصل الجواب أن الوجوب والامتناع إن كان لا من جهة اختيار المكلف فهو المانع من جواز التكليف وأما إن كان من جهة اختيار المكلف فهو المانع من جواز التكليف وأما إن كان من جهة اختياره فهو لا يمنع جواز التكليف بل يصححه فإن من شرائطه قدرة المكلف ووجوب الفعل أو امتناعه بسبب الاختيار مصحح للقدرة عليه ويدفعه أن ما قيل من أن الوجوب أو الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار إنما يراد به الاختيار المقارن لصدور الفعل بأن يكون اختيار ذلك الفعل أو الترك هو الموجب لوجوده أو عدمه في الخارج فإن ذلك لا ينافي كون الفعل أو الترك اختياريا بل يصححه إذ لولا وجوبه أو امتناعه بذلك لما كان اختياريا حاصلا بسبب الاختيار حسبما ذكر وأما ما كان بسبب الاختيار المتقدم على الفعل المتعلق بأمر آخر معد لحصول ذلك الفعل من غير أن يكون الفعل الثاني صادرا عن اختيار المكلف حين حصوله فلا يجعل ذلك الفعل اختياريا حال صدوره عن الفاعل ولا مقدورا عليه حين حصوله غاية الأمر حصول القدرة المتقدمة السابقة على اختيار الإتيان بذلك المعد وأما بعد الإتيان به فلا ومن البين أن المعتبر من القدرة والاختيار بناء على عدم جواز التكليف بما لا يطاق مطلقا هو ما كان مقارنا للفعل كيف ولولا ذلك لزم انفتاح باب عظيم في الفقه فإن من أجنب متعمدا مع عدم الماء أو أتلف الماء الموجود عنده عمدا مع علمه بعدم تمكنه من غيره لزم أن يكون مكلفا بأداء الصلاة مع الطهارة الاختيارية نظرا إلى قدرته السابقة وإقدامه على إيجاد المانع باختياره وكذا من كان عنده استطاعة الحج فأتلف المال عمدا قبل مضي الرفقة أن يكون مكلفا بالسير معهم مع عدم تمكنه منه وكذا من كان عنده وفاء الدين فأتلفه عمدا أن يكون مكلفا بالوفاء مع عدم تمكنه منه وكذا بل فاسقا مقيما على العصيان بعدم الأداء إلى غير ذلك من الفروض الكثيرة مما يقف عليه المتأمل فإن قلت لا شك في كون الأفعال التوليدية حاصلة عن اختيار المكلف ولذا يجوز التكليف بها ويصح وقوعها متعلقا للمدح والذم مع أنها لا قدرة عليها حين حصولها وإنما يتعلق القدرة بها بتوسط أسبابها قلت لا يلزم مما قلناه أن لا يكون الأفعال التوليدية متعلقة للقدرة مطلقا ولا عدم جواز التكليف بها رأسا فإنه لا شك في جواز التكليف بها قبل الإتيان بالأسباب المولدة لها مع حصول القدرة على تلك الأسباب لوضوح أنه مع القدرة عليها على السبب يقتدر على المسبب أيضا إلا أن ذلك لا يقضي بحصول القدرة عليها وجواز تعلق التكليف بها بعد حصول أسبابها كما هو المدعى فالتكليف بها ينقطع عند الإتيان بأسبابها وارتفاع القدرة عليها وعدم مقدورية الفعل كما يمنع من تعلق التكليف به ابتداء يمنع عنه استدامته لاتحاد جهة المنع فكما أنه مع الإتيان بنفس الواجب ينقطع التكليف فكذا مع الإتيان بالسبب المولد له لوجوب ذلك الفعل حينئذ وتعلق المدح أو الذم به إنما هو من جهة الإقدام على سببه من حيث إيصاله إليه ولذا لو تاب المكلف عن ذلك بعد الإقدام على السبب قبلت توبته وحكم بعدالته بعد ثبوتها وإن لم يأت زمان أداء الواجب ولا يحصل منه معصية في زمان إيقاع الفعل كما إذا ترك الذهاب إلى الحج مع الرفقة ثم تاب بعد ذلك فإنه لا يكون عاصيا ولا فاسقا في أيام أداء الحج وذلك ظاهر وحينئذ فنقول إن تعلق التكليف بها بواسطة التكليف بأسبابها من حيث إنها موصلة إليها كما هو المدعى فلا