الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

206

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

فإن كلا من خروجه وبقائه في ذلك المكان حرام عليه مع انحصار أمره في الوجهين وليس ذلك إلا بسوء اختياره في الإقدام على الدخول فظهر بذلك الفرق بين القول بوجوب المقدمة وعدمه إذ ليس التكليف بذي المقدمة على فرض ترك المقدمة من سوء اختيار المكلف بناء على الثاني لجواز ذلك بالنسبة إليه بخلاف ما إذا قيل بالأول وقد يقال إن الاستحالة في المقام إنما نشأ أيضا من قبل المكلف فلا مانع من حسن العقاب على ترك الفعل الممتنع بسبب اختياره ترك مقدمة يعلم كونها مقدمة له وإن لم يكن ترك تلك المقدمة محرما كما أنه لا مانع من حسن العقاب على ترك الفعل الممتنع بسبب سوء اختيار المكلف من جهة إقدامه على الحرام كذا يستفاد من كلام بعض الأفاضل وفيه أنه إن أريد أن الاختيار المذكور لما كان سببا لترك الواجب كان مصححا للعقوبة على ترك ذلك الواجب من غير أن يبقى التكليف بالفعل بعد امتناعه ولا أن تكون تلك العقوبة على نفس اختياره ذلك فهو عين ما ذكرناه في الوجه الأول وقد عرفت أن مقتضاه كون الاختيار المذكور باعثا على استحقاق العقوبة من حيث أدائه إلى ترك الواجب وهو عين مفاد الواجب الغيري ولذا يقبح عند العقل تجويز الأمر لاختياره ذلك من حيث أدائه إلى ترك الواجب كيف ولو جوز له ذلك ولو من الحيثية المذكورة قبيح منه العقاب بعد ذلك وفيه خروج الوجوب عن الوجوب وإن أريد أن ترك المقدمة إنما يقتضي استحقاق العقوبة على ترك الواجب بعد ذلك وإن لم يبق هناك أمر بالفعل بعد ترك مقدمته فلا يكون المكلف عاصيا بمجرد ترك المقدمة وإنما تحقق عصيانه واستحقاقه للعقوبة عند ترك الواجب في زمانه المضروب له فيكون عاصيا للأمر المتعلق به قبل ترك مقدمته بتركه للواجب في زمانه وإن سقط الأمر بعد ترك المقدمة إذ لا يمنع ذلك من تحقق العصيان بالنسبة إلى الأمر السابق ففيه أنه إذا سقط الأمر عنه عند ترك المقدمة من غير تحقق عصيان ولا استحقاق عذاب أصلا ولو من جهة أدائه إلى ترك الواجب لم يعقل هناك عصيان ولا استحقاق للعقاب بعد ذلك إذ لا معنى حينئذ لعصيانه للأمر الساقط كما لا يخفى فدعوى أن سقوط الأمر لا يمنع من استحقاق العقاب مما لا وجه له بل الحق عصيان الأمر عند ترك مقدمته من حيث أدائه إلى ترك الواجب إن تعلق الأمر بالفعل قبل مجيء زمانه كما في الحج بعد حصول الاستطاعة وذلك قول بوجوب المقدمة حسبما قررناه وإلا منع ترك المقدمة من تعلق الأمر به فلا وجوب حتى يلزم بذلك خروج الواجب عن كونه واجبا وإن أريد أنه لما كان ترك المقدمة ناشئا عن اختياره كان ذلك مصححا لبقاء التكليف بذي المقدمة مع امتناعه بعد ذلك حيث إنه نشأ الامتناع عن اختياره كما هو ظاهر الفاضل المذكور وقد نص أيضا بعد ذلك بأن العلم بعدم الصدور أو امتناعه لا يستلزم إلا قبح إرادة وجود الفعل وطلبه وقصد تحصيله إذ بعد العلم بعدم الوقوع قطعا لا يجوز من العاقل أن يكون بصدد حصول ذلك الشيء ويقضي العقل بأن الغرض من الفعل الاختياري يجب أن يكون محتمل الوقوع وإن لم يجب أن يكون مظنونا أو معلوما إلا أنه قد يقرر أن الغرض من التكليف ليس ذلك بل الابتلاء لا بمعنى تحصيل العلم بما لم يكن معلوما بل بمعنى إظهار ما لم يكن ظاهرا على العقول القاصرة والأفهام السخيفة ففيه أنه إذا لم يكن يتعلق منع من الأمر بترك المقدمة ولو من جهة أدائها إلى ترك ذيها لم يصح بعد اختياره لترك المقدمة إلزامه بأدائه ذي المقدمة وإيجاب ذلك عليه مع امتناع صدوره عنه لما تقرر عندنا من امتناع التكليف بغير المقدور وتفسيره حقيقة التكليف بما ذكره مخالف لما هو ظاهر المشهور بين علمائنا من اتحاد معنى الطلب والإرادة إلا أنه موافق للتحقيق كما مر تفصيل القول فيه وبه يصح القول بجواز التكليف بغير المقدور إذا كان من سوء اختيار المكلف إذ لو كان حقيقة التكليف إرادة الفعل على الحقيقة امتنع تعلقها بالمحال مطلقا لكنه لا يثمر في المقام إذ أقصى ما يترتب عليه أن يتعقل حصول التكليف بعد عروض الامتناع ولا يصحح ذلك حسن التكليف مع امتناع الفعل فإن إيراد التكليف المفروض على المكلف من دون ورود تقصير منه ظلم عليه نعم لو كان ذلك متفرعا على عصيانه وسوء اختياره صح ذلك إذ ليس وروده عليه حينئذ من قبل الأمر فنفي التفرقة بين الوجهين حسبما رامه الفاضل المذكور غير متجه فإن قلت قد مر أن القائل بنفي وجوب المقدمة قد يلتزم بوجوبها بالعرض من جهة اتصاف ما لا ينفك عنها بالوجوب وحينئذ فالإقدام على تركها مع وجوبها كذلك كاف في انتفاء القبح عن بقاء التكليف بذيها قلت قد عرفت أن الحكم بوجوبها على الوجه المذكور ليس قولا بوجوبها حقيقة ولو لأجل الغير وإنما هو اتصاف لها بالوجوب على سبيل المجاز حسبما مر تفصيل القول فيه فلا يثمر شيئا في المقام إذ لا يتحقق بسببه سواء اختار من المكلف ليحسن من جهة إلزامه بالمحال فتأمل مضافا إلى عدم اشتماله على ما جعله غاية التكليف من الابتلاء والاختبار إذ لا يعقل حصوله بعد علم الآمر والمأمور بامتناع الفعل فيكون التكليف به عبثا خاليا عن الفائدة [ الدليل الثاني . ] قوله وأيضا فإن العقلاء لا يرتابون إلى آخره أرادوا بذلك استحقاق الذم على ترك المقدمة وإن لم يكن الذم من جهة تركها في نفسها وإلا لكان وجوبها نفسيا وهو خلاف المدعى فالمقصود ترتب الذم على تركها من حيث أدائها إلى ترك ذيها وورود الذم عليه على الوجه المذكور مما لا مجال للريب فيه ومقتضاه ثبوت الوجوب الغيري كما هو الحال فيما تعلق به صريح الأمر من الواجبات الغيرية فإن الذم الوارد هناك أيضا إنما هو من جهة أدائها إلى ترك الغير لا على ترك نفسها كما مرت الإشارة إليه والحاصل أن ترك المقدمة سبب لاستحقاق الذم لكن لا على تركها بل لأدائها إلى ترك غيرها وبه يثبت المدعى ولا فرق في ذلك بين ما يكون زمان إيقاع المقدمة متقدما على الزمان الذي يصح فيه الفعل كما في قطع المسافة من البلدان النائية بالنسبة إلى الحج وما لا يكون كذلك واستحقاق الذم في الأول إنما يحصل قبل مجيء زمان الفعل وترك الواجب فيه أن يترك المقدمة حينئذ يحصل الأداء إلى ترك الواجب في وقته فيستحق به الذم على الوجه المذكور من غير أن يحسن هناك استحقاق آخر على ترك نفس الواجب في وقته واستحقاق الذم لترك المقدمة من جهة الأداء إلى ترك الواجب هو بعينه استحقاق الذم على ترك ذلك الواجب فيثبت إلى ترك المقدمة من جهة الأداء إلى ترك الواجب وإلى ترك نفس الواجب أصالة فظهر بما ذكرنا أن ما يتوهم في المقام من أن الدليل المذكور على فرض صحته إنما يفيد الوجوب النفسي دون الغيري