الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
200
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
بالإطلاق في المقام هو إطلاق الوجوب بحسب ظاهر اللفظ وهو لا يستلزم الإطلاق بالمعنى المصطلح إذ قد يكون الواجب مقيدا بحسب العقل لانتفاء القدرة على مقدمته وحيث إن تقييد الواجب عقلا منحصر في الجهة المذكورة والمفروض إطلاقه بحسب اللفظ أفاد القيد المذكور إطلاق الواجب بحسب المصطلح لإطلاقه إذن بحسب العقل والنقل وهو كما ترى موهون من وجوه شتى وقد يوجه أيضا بأن مقدمة الواجب قد يكون مقدورة وقد لا يكون مقدورة فإذا كانت مقدورة كان الأمر بالواجب مطلقا بالنسبة إليها فيصدق حينئذ أن الأمر به مطلق بالنسبة إلى تلك المقدمة في الجملة وإن صارت غير مقدورة فالتقييد بالمقدورية من جهة الاحتراز عن تلك المقدمة إذا لم يكن مقدورة فالكلام في قوة أن يقال مقدمة الواجب المطلق واجبة ما دام مطلقا لا دائما وأنت خبير بما فيه من التكليف كيف ولو لم يكن اعتبار إطلاق الأمر به كافيا في الدلالة على اعتبار بقاء الإطلاق لم يكن اعتبار المقدورية كافيا في اعتبار بقائها لصدق كونها مقدورة في الجملة بعد تعلق القدرة بها فالأولى أن يقال إن التقييد المذكور لإخراج الأفراد أو الأنواع الغير المقدورة من المقدمات إذا كانت غير مقدورة عليها لإطلاق الأمر بالفعل حينئذ فلا يقضي اعتبار إطلاق الواجب بخروج ذلك مع أن الأمر بالشيء على وجه الإطلاق لا يقضي بوجوبها فالأمر بالشيء مطلقا على القول بوجوب المقدمة إنما يقضي إيجاب النوع والفرد المقدورين دون غيره لعدم تعلق التكليف بغير المقدور مطلقا وإن اكتفي بها في أداء الواجب على فرض حصولها فظهر بذلك أن ما ذكره جماعة من عدم الحاجة إلى القيد المذكور ليس على ما ينبغي قوله والضرب الآخر يجب فيه مقدمات الفعل صريح في ذهابه إلى وجوب مقدمة الواجب المطلق مطلقا سواء كانت شرطا أو سببا بل وسواء كانت شرطا شرعيّا أو غيره وإن كان ما ذكره من المثال من قبيل الشرط الشرعي وظاهر كلامه يشير إلى أن ذلك أمر واضح لا حاجة إلى إقامة الدليل عليه ثم إن الظاهر منه إرادة الوجوب بالمعنى الذي بيناه لا مجرد وجوب الإتيان بها بالعرض بمعنى وجوبها بوجوب الإتيان بما يتوقف عليها إذ ليس ذلك من حقيقة الوجوب في شيء حسبما مر بيانه فاحتمال حمل كلامه على ذلك بعيد غاية البعد كاحتمال حمله على إرادة الوجوب الأصلي أو الوجوب الذي يترتب عليه عقاب مستقل على ترك الفعل إذ لا باعث لحمل كلامه عليه مع وضوح فساده قوله إلا أن يمنع مانع ظاهر كلامه يفيد تفسير السبب بالملزومات العادية مما يترتب عليه غيره بحسب العادة بحيث يكون التخلف عنه خارقا للعادة وهو كما ترى أخص من المقتضي وأعم من العلة التامة لعدم إمكان التخلف في الثاني وجواز التخلف في الأول من غير خرق للعادة كما إذا قارنه عدم الشرط أو وجود المانع الذي يمكن حصوله على النحو المعتاد قوله وهذا كما ترى ينادي بالمغايرة قد عرفت أن كلامه صريح في وجوب مقدمة الواجب مطلقا وإنما منعه من وجوب غير السبب بعد تعلق الأمر مما يتوقف عليه من جهة دوران الأمر عنده بين كون الواجب مطلقا بالنسبة إليها أو مقيدا وذلك مما لا ربط له بمنع وجوب مقدمة الواجب بعد ثبوت إطلاقه بالنسبة إليها كما هو محل النزاع في المقام قوله وما اختاره السيد فيه محل تأمل قد عرفت أن ظاهر ما يتراءى من كلام السيد قدس سره مما لا وجه له فيما إذا كان الأمر المتعلق بالفعل مطلقا وما احتج به من تعلق الأمر بالشيء تارة مطلقا وأخرى مقيدا ولا دلالة فيه على شيء من الصّورتين قد عرفت ضعفه كيف ولو تم ما ذكره لجرى بالنسبة إلى غير المقدمة أيضا إذ كما يكون الواجب بالنسبة إلى مقدمته قسمين فكذا بالنظر إلى غير مقدمته إذ قد يتوقف وجوب الشيء على ما لا يتوقف عليه وجوده وقد يحتج له أيضا بأنه لو بقي الأمر على إطلاقه ولم يقيد بوجود مقدمته إذ قد يتوقف وجوب الشيء على ما لا يتوقف عليه وجوده وقد يجتمع له أيضا بأنه لو بقي الأمر على إطلاقه ولم يقيد بوجود مقدمته فإما أن يقال بوجوب المقدمة أو عدمه لا سبيل إلى الثاني وإلا لزم وجوب التوصل إلى الواجب بما ليس بواجب ولا إلى الأول لمخالفته للأصل فكما أن قضية الأصل إطلاق الأمر إلى أن يثبت التقييد فكذا الأصل عدم وجوب المقدمة إلى أن يثبت وجوبها وضعفه أيضا ظاهر أما على القول بعدم وجوب المقدمة فواضح وأما على القول بوجوبها فمن البين تقديم حال الإطلاق ولا وجه للقول بمقاومته لأصالة عدم وجوب المقدمة إذ تلك من أصول الفقاهة وأصالة عدم التقييد من أصول الاجتهاد كيف ولو صح ذلك لزم أن لا يصح الاستناد إلى شيء من الإطلاقات في إثبات الأحكام المخالفة للأصل وهو فاسد بالاتفاق هذا وقد عرفت فيما مر إمكان توجيه كلام السيد بما لا ينافي المشهور وكأنه الأظهر فإن ما يتراءى من ظاهر كلامه موهون جدا لا يليق صدوره عنه قدس سره ولم يعهد منه الجري عليه في شيء من المطالب الفقهية والالتفات إليه في المسائل المتداولة قوله إنه ليس بمحل خلاف يعرف وأنت خبير بأن مجرد عدم ظهور الخلاف لا ينهض حجة في مسائل الفروع فكيف في مسائل الأصول فجعله حجة في المقام غير متجه سيما على طريقة المصنف ره قوله بل ادعى بعضهم فيه الإجماع قد حكى الإجماع عليه جماعة منهم التفتازاني في شرح الشرح وأنت خبير بأن حكاية التفتازاني لا ينهض حجة عندنا سيما بعد حكاية الخلاف فيه عن البعض ولا نعرف حال غيره من النقلة بل كونه من الأصحاب غير معلوم أيضا فالاستناد فيه إلى الإجماع محصّلا أو منقولا غير متجه نعم عدم ظهور الخلاف في ذلك المنضم إلى الإجماع المحكي مؤيد في المقام وقد يستدل عليه أيضا بالإجماع على وجوب التوصل إلى الواجب وليس التوصل بالشرط واجبا لما دل على عدم وجوبه كما سيجيء فتعين أن يكون الواجب هو التوصل بالسّبب ووهنه ظاهر إذ المسلم من وجوب التوصل إلى الواجب هو تحصيله والإتيان به في الخارج وأما فعل ما هو وصلته إليه ووسيلته في إيجاده فوجوبه أول الدعوى ولو سلم ذلك لجرى في الشرط أيضا وما ذكر في الاستدلال على عدم وجوب المقدمة إن تم جرى في السبب أيضا فيزاحم الدليل المذكور إلا أن يقال أن الوصلة إلى الواجب إنما يكون بالسبب دون الشرط وتوضيحه أنه قد يراد بما يتوصل به إلى الواجب ما يكون بالسبب