الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

190

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

ضرب وعمرو يضرب من الإخبار ليس للحال وقولك فلان حر بعد وفاتي إنشاء ولا حرية في الحال وكذا قولك فلانة طالق إن دخلت الدار وفعلت كذا على مذهب من يصح الطلاق به وكذا الحال في التمني والترجي والاستفهام وغيرها فإن كلا منها كالطلب لا يقع إلا في الحال لكن المتمنى والمترجى والمستفهم منه قد يكون في الحال وقد يكون في الاستقبال وما عدا الطلب منها يمكن أن يكون في الماضي أيضا قوله قياس في اللغة قد عرفت أن ما ذكره المستدل ليس من باب القياس وإنما تمسك بالاستقراء كما يدل عليه قوله فكذا الأمر إلحاقا بالأعم الأغلب وحجية الاستقراء في مباحث الألفاظ مما لا كلام فيه وهو عمدة الأدلة في إثبات الأوضاع التركيبية ووجوب على الرجوع إليه طريقة أهل العربية فالحق في الجواب ما قدمناه نعم استدل في المقام أيضا تارة بحمل الأمر على النهي فإنه للفور فكذا الأمر قياسا عليه وأخرى بأن الطلب إنشاء كالإيقاعات من العتق والطلاق وكذا العقود مثل بعت واشتريت فكما أن معاني تلك يقع على الفور فليكن هناك قياسا عليها بجامع الإنشائية وهذا الجواب يوافق أحد التقريرين المذكورين دون ما ذكر قوله وبطلانه بخصوصه ظاهر أي عدم حجية القياس في إثبات الأوضاع بخصوصه ظاهر كما ذهب إليه المعظم واتفق عليه المحققون حسبما قرر في محله وإنما ذلك لعدم حصول الظن منه في المقام وإلا فبعد حصول الظن منه فالظاهر حجيته في المقام إن قلنا بعدم حجيته في الأحكام كابتناء الأمر في مباحث الألفاظ على مطلق الظن بخلاف الأحكام الشرعية ولقيام الدليل عندنا على عدم جواز الرجوع إليه في الأحكام وعدم قيام دليل على المنع من الأخذ بالظن الحاصل منه في مباحث الألفاظ قوله فبالفرق بينهما محصل البيان المذكور أن المنشأ بإنشاء الأمر يعني الطلب الحاصل به لا يمكن تعلقه بالحال لما مر من لزوم تحصيل الحاصل بخلاف غيره مما تعلق به الإخبار وسائر الإنشاءات إذ يمكن تعلقه بالحال فإذا كان الثاني موضوعا للحال لا يمكن أن يقاس عليه الأول مع عدم إمكان إرادة الحال وهذا الفرق وإن كان متجها إلا أنه مبني على كون مراد المستدل أن ما تعلق به الإخبار أو بشيء تعلق به المنشأ بذلك الإنشاء للحال وليس كذلك لتعلقه كثيرا لغير الحال أيضا وبه يبطل الاستدلال من أصله حسبما قررناه قوله بأن الأمر قد يرد في القرآن ظاهر الاحتجاج المذكور إفادة الاشتراك اللفظي كما مر نظيره في كلام السيد لكن عرفت أنه يمكن حمل كلامه هنا على إثبات الاشتراك المعنوي بحمل استعماله في الأمرين على إطلاقه على الطلب الحاصل لكل من الوجهين وظاهر الإطلاق كما يقتضيه الحمل على الحقيقة في صورة استعماله في خصوص كل من المعنيين كذا يقتضي الحقيقة في صورة إطلاقه عليها والأول وإن لم يكن مرضيّا عند الجمهور وإنما اختاره السيد ومن وافقه إلا أن الظاهر أن الثاني مرضي عند السيد وعند غيره فحمل كلامه هنا على الثاني غير بعيد بملاحظة أول كلامه حسبما أشرنا وينطبق عليه دليله الثاني أيضا قوله إن الذي يتبادر من إطلاق الأمر كأنه أراد بذلك أن ظاهر الاستعمال إنما يقتضي الحقيقة إذا لم يقم دليل على كون اللفظ مجازا فيه وهاهنا قد قام الدليل على كونه حقيقة في المعنى الأعم أعني طلب الفعل مجازا في غيره أعني كلا من الخصوصيتين نظرا إلى تبادر الأول وعدم تبادر شيء من الخصوصيتين لتوقف إيقاعهما على قيام القرينة أو أنه أراد بذلك فمع استعمال الأمر في الخصوصيتين وأما المستعمل فيه بحكم التبادر هو القدر الجامع بينهما وكل من الخصوصيتين إنما يفهم من القرينة الخارجية وهذا الوجه هو الذي استظهرناه في كلام السيد وحينئذ فكلامه هذا موافق لما اخترناه كما هو الحال في دليله الثاني وجواب المصنف مبني على ما فهمه من كونه احتجاجا على الاشتراك اللفظي قوله ولهذا يحسن فيما نحن فيه لا يخفى أن جوابه التخيير بين الأمرين جواب بإرادة التراخي فإن المراد به كما عرفت جواز التراخي فليس ذلك معنى آخر حتى يكون الجواب به على فرض كونه موضوعا لكل من الفور والتراخي خروجا عن ظاهر اللفظ وارتكابا للتجوز كما زعمه نعم لو قال باشتراكه بين وجوب الفور ووجوب التراخي أمكن الإيراد عليه بذلك وليس كذلك فائدة في فورية وجوب القضاء قوله ذهب إلى كل فريق فقد حكي الأول من أبي بكر الرازي وأبي الحسين تفريعا على القول بالفور وكذا القاضي عبد الجبار وحكي الثاني عن الكرخي وأبي عبد الله البصري قوله إن الأمر يقتضي كون المأمور فاعلا على الإطلاق يمكن أن يقال إن ما ذكره مناف لما اختاره من الدلالة على الفور إذ القائل المذكور إنما يقول باقتضائه كون المأمور فاعلا على سبيل الفور لا على الإطلاق ويمكن أن يقال إن القائل المذكور قد جعل مقتضى الأمر شيئين كون الفعل حاصلا من المأمور به مطلوبا إيجاده حيث أسند الفعل إليه من الجهة المذكورة حسبما مر توضيح القول فيه والثاني كون ذلك الفعل حاصلا منه على الفور سواء قلنا بكون الثاني أيضا مدلولا ابتدائيا للأمر أو قلنا بكون ذلك من مقتضيات الوجوب لظهور الوجوب في الفور فيقتضي الأمر بالفعل الأمرين المذكورين فلا بد أولا من الجمع بين مقتضيه فإن عصى وخالف الأول بقي الثاني والمصنف اختصر البيان المذكور في النهاية يقارب ما قررناه حيث قال في بيان الحجة المذكورة إن لفظة افعل يقتضي كون المأمور فاعلا وهو يوجب بقاء الأمر ما لم يصر المأمور فاعلا ويقتضي أيضا وجوب المأمور به وجوبه يقتضي كونه على الفور إذا أمكن الجمع بين موجبهما لم يكن لنا إبطال أحدهما وقد أمكن الجمع بأن يوجب الفعل في أول أوقات الإمكان لئلا ينتقض وجوبه فإن لم يفعله أوجباه في الثاني لأن مقتضى الأمر كون المأمور فاعلا ولم يحصل بعده توضيح المقام أن الفور إما أن يلحظ قيدا للطلب فإن الطلب للفعل يمكن أن يكون على وجه الفور وأن يكون على وجه التراخي أو يلحظ قيدا للمطلوب والوجهان اعتباران لحقيقة واحدة إذ ليس هناك إلا طلب الفعل على سبيل الفور فصح أن يلحظ قيدا للطلب أو قيدا للمطلوب والظاهر الأول إذ الفورية إنما تستفاد من الهيئة ووضعها من قبيل أوضاع الحروف فإن الهيئات موضوعة للمعاني الناقصة الآلية الرابطة فكما أن الوجوب الذي يستفاد من الصيغة معنى حرفي حسبما مر بيانه فكذا على القول به فيكون قيدا ملحوظا في الطلب ويجعل معه مرآتا لملاحظة حال الحدث مع فاعلية المنسوب