الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
188
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
وقد نصّ جماعة بتضييق الواجبات المطلقة كالنذر المطلق ونحوه بظن الوفاة بل الفوات ولو فرض عدم حصول الظن المفروض لبعض الناس لم يلزم منه خروج الواجب عن كونه واجبا فإن الواجب ما يلزم تاركه على بعض الوجوه فهو بحيث لو ظن فواته بالتأخير عنه تضيق فعله وتعين الإتيان به قوله ولا عليه دليل يمكن أن يقال إن التأخير إلى حد يفيد التهاون في أمر المولى مما لا يجوز في الشرع ولا في العرف حسبما أشرنا إليه فالمنع من التأخير كذلك ثابت والدليل عليه قائم وليس ذلك من التوقيت في شيء ويندفع به الاحتجاج المذكور قوله بما لو صرّح بجواز التأخير إن أريد به التصريح بجواز التأخير على الإطلاق فهو ممنوع إذ هو يقضي إلى ترك الواجب وإن أريد به التصريح بجواز التأخير في الجملة فلا يوافق المدعى حتى يتم به ما أريد من النقض قوله وأما إذا كان جائزا فلا ضرورة كون الواجب نفس الفعل متى أتي به من تقديم أو تأخير فلا تكليف بالمحال من جهة تعلق التكليف بنفس الفعل لتمكنه قطعا من الإتيان به في أول الأزمنة وتجويز التأخير ليس تكليفا ليلزم التكليف بالمحال إذ مع تجويز التأخير لو اتفق له الموت لم يكن عاصيا لتجويزه له ذلك وهو أيضا مدفوع بما مر من أن عدم ترتب العصيان على ترك الواجب في بعض الأحيان لا يقضي بخروجه من الوجوب وما ذكر من عدم ترتب الإثم على تركه إنما يتفق في بعض الفروض وإلا ففي كثير من الأحيان يحصل الظن بالفوات مع التأخير وحينئذ فلا يجوز الإقدام عليه من تلك الجهة حسبما عرفت وقد يورد في المقام بأن ما علل به انتفاء التكليف بالمحال من تمكنه من المسارعة التزام بوجوب الفور في العمل لتحصيل براءة الذمة حيث إن جواز التأخير مشروط بمعرفته لا يتمكن عنه المكلف فينحصر الامتثال في الفور ويدفعه أن مراد المستدل بذلك إيضاح القول في إبداء تمكنه من الفعل ليظهر فساد ما توهم من لزوم التكليف بالمحال وليس في كل أمر ما يفيد كون جواز التأخير مشروطا بمعرفة لا يتمكن منه المكلف ليرد عليه ما ذكر من الالتزام بالفور ولا وجه له فإن عدم العلم بآخر أزمنة الإمكان لا يستلزم المنع من التأخير ليكون جواز التأخير مشروطا بالعلم بعدم كونه آخر الأزمنة لكفاية الظن في مثله بل الشك أيضا في وجه نظرا إلى أصالة البقاء قوله لأنها فعل الله سبحانه أراد بذلك أن المسارعة إنما يتسارع إلى فعله بمبادرته إليه دون فعل غيره إذ لا يعقل تسارعه إليه وإنما يتسارع إليه الذي يأتي به فلا بد أن يراد بالمغفرة سببها الذي هو فعل المكلف ليكون من قبيل إقامة السبب مقام المسبب لكنك خبير بأن مجرد كون المغفرة فعل الله لا يقضي بامتناع المسارعة إليها إذ لا مانع من المسارعة إلى فعل الغير بأن يجعل نفسه مشمولا لفعله كما تقول سارعوا إلى ضيافة السلطان وإلى كرامته وإلى إنعامه ونحوها نعم يمتنع المسارعة إلى أداء فعل الغير ولا قاض بأدائه في المقام وحينئذ يكون المسارعة إليه حاصلة بالمسارعة إلى أسباب شموله من غير أن يراد بالمغفرة سببها بل من جهة أن المقدور بالواسطة مقدور للمكلف فظهر بذلك أن الوجه المذكور فيما هو المدعى من غير التزام التجوز في المغفرة ثم إنه قد يورد في المقام أنه لا دليل على كون فعل المأمور به سببا للمغفرة وإنما هو باعثا على ترتب الثواب والباعث على الغفران هو التوبة فإنها السبب لغفران الذنب نعم لا يبعد القول باندراج الكفارات في ذلك حيث إنها تكفر الذنب فأقصى الأمر أن يفيد الآية كونها مطلوبة على سبيل الفور وأين ذلك عن المدعى والقول بكون مجرد فعل المأمور به قاضيا بتكفير الذنب مبني على مذهب الحبط والتكفير ولا نقول به ويمكن دفعه بأنه قد ورد سقوط الذنب بأداء بعض الواجبات كالصّلاة والحج ونحوها فلا اختصاص لها بالتوبة ونحوها وحينئذ يمكن تتميم الدليل بعدم القول بالفصل وفيه أن مفاد الآية حينئذ هو وجوب الفور في تحصيل غفران الذنب بعد ثبوته وهو أمر ظاهر بملاحظة العقل أيضا والظاهر أنه مما لا كلام فيه وحينئذ فالقول بعدم الفصل بين ما يقع مكفر الذنب وغيره كما ترى ويمكن القول بحصول التكفير بالنسبة إلى كل من الطاعات كما يستفاد من قوله تعالى إن الحسنات يذهبن السيئات ويشير إليه بعض الأخبار فيصح القول بإرادة مطلق المأمور به من المغفرة وذلك أيضا غير مقالة القائلين بالحبط والتكفير فإنهم يقولون بموازنة الحسنات في السيئات في الدنيا ويثبت للعامل أو عليه التفصيل بينهما فعلى هذا يكون ميزان الأعمال في الدنيا فعل الآخرة وهذا ليس بمرضي وسبب الطاعة للغفران لا دخل له بهذا المذهب ومع الغض عن ذلك ففي قوله تعالى وجنة عرضها كعرض السماء والأرض كفاية في المقام فإن المراد بالمسارعة إلى الجنة هي المسارعة إلى الأعمال والطاعات الموصلة إليها وذلك كاف في تقرير الاستدلال من غير حاجة إلى ملاحظة كون أداء المأمور به باعثا على الغفران كليا أو جزئيا ويندفع به أيضا أن ما قد يورد في المقام أنه إنما يتم في الأوامر المتعلقة بالعصاة ليكون مكفرة لذنوبهم ولا يجري فيمن لم يتحقق منه ذنب كمن هو في أول البلوغ إلا أن يتم ذلك بعدم القول بالفصل على ما ذكرنا أو يعم العبارة جميع تلك الصور من غير حاجة إلى ضم عدم القول بالفصل أو يتم القول به ثم إنه قد يورد أيضا في المقام بأنه ليس في الآية دلالة على العموم ليفيد وجوب المسارعة في جميع الأوامر كما هو المدعى فغاية الأمر أن يفيد وجوب الفور في البعض فيمكن تنزيله حينئذ على التوبة ونحوها مما ثبت وجوب الفور فيه ويمكن دفعه لكفاية الإطلاق في المقام فإن المطلق يرجع إلى العام في مقام البيان سيما مع توصيف النكرة بصفة الجنس فإنه يفيد العموم كما نصّوا عليه في قوله تعالى وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه وفيه مع وضوح المناقشة في توصيف النكرة هنا بصفة الجنس ضرورة أن المغفرة قد يكون من فعل غيره سبحانه أن إرادة العموم في المقام يخل بالمقصود وإذ كما يكون الواجبات سببا للغفران كذا الحال في المندوبات لشمول الآية المذكورة للواجبات والمستحبات