الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

186

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

المذكور الملفق من الأمور المذكورة وأما لو أريد به أوائل زمان المستقبل بعد زمان إيقاع الصيغة لم يعد حالا ولا ملفقا من الحال والاستقبال بل كان استقبالا خالصا كما لا يخفى بعد ملاحظة الاستعمالات العرفية فلا بد في صدق الحال العرفي من الاشتمال على الحال الحقيقي إذا تقرر ذلك فنقول إنه لا يمكن أن يراد من الأمر إيقاع المطلوب في الحال المذكور وإلا لزم تحصيل الحاصل بل أقصى ما يمكن أن يراد به ثاني زمان الصيغة وما تأخر عنها وهو استقبال خالص كما عرفت فإن أريد به الفور كان المراد أوائل الاستقبال وإن أريد به التراخي كان قاضيا بجواز التأخير إلى ما بعده من الأزمنة فعدم دلالة الأمر على خصوص الفور والتراخي لا ينافي دلالته على الزمان فمدلول الصيغة هو طلب إيجاد الفعل فيما بعد الطلب المذكور من غير دلالته فيه على خصوص إيقاعه في أوائله أعني الفور أو مع تجويز تأخيره إلى ما بعده من الأزمنة كما هو مفاد التراخي فالمدعى عدم دلالته على خصوصية الأمرين وإن دل على إرادة الاستقبال الجامع بينهما وفيه أنه لا يوافق ما ذكره علماء العربية من كون مدلول الأمر هو الحال والإغماض عما ذكروه مما لا وجه له سيما بعد حكاية اتفاقهم عليه مضافا إلى ما فيه ممّا سنقرره إن شاء الله تعالى [ الرابع من الأجوبة وهو المختار . ] رابعها وهو المختار عندنا أن مفاد الأمر هو الحال حسبما نص عليه علماء العربية وليس الحال فيه قيدا للحدث المطلوب بل ظرف للطلب الواقع منه على ما هو شأن الزمان المأخوذ في الأفعال وتحقيق المقام أن الزمان المأخوذ في الأفعال معنى حرفي يؤخذ ظرفا للنسبة الحرفية المأخوذة في الأفعال ألا ترى أن ضرب في قولك ضرب زيد له معنيان أحدهما تام وهو معناه الحدثي والآخر ناقص حرفي وهو معناه الهيئي وهو نسبة ذلك الحدث إلى فاعل ممّا في الزمان الماضي ويتم ذلك بفاعله المذكور إذ النسبة لا تتحصّل إلا بمنتسبيها فيفيد في المثال نسبة الضرب إلى زيد نسبة خبرية حاصلة في الزمان الماضي كما أن يضرب أيضا كذلك إلا أن الملحوظ فيه زمان الاستقبال وللنسبة المذكورة جهتان إحداهما من حيث صدورها عن المتكلم وربطه بين المعنيين أعني المعنى الحدثي والفاعل المذكور بعده وثانيهما جهة كونه حكاية عن نسبة واقعية وارتباطها بين ذلك الحدث والفاعل الخاص وبملاحظة الاعتبار الأول يصح لك أن تقول إن ذلك المتكلم أسند الضرب إلى زيد وبملاحظة الثاني يصح أن يقال إنه حكي النسبة الواقعية والربط الواقع بين ذلك الحدث وزيد والجهة الثانية مناط كون النسبة خبرية فإن ما يحكيه من النسبة إما أن يكون مطابقا لما هو الواقع أو لا فيكون صدقا أو كذبا وأما من الجهة الأولى فغير قابل للصدق والكذب فمفاد النسبة الخبرية هي النسبة الواقعة من المتكلم من حيث كونه حكاية عن أمر واقعي والنسبة الإنشائية هي النسبة الواقعة منه من حيث كونه واقعا وصادرا منه ولا حكاية فيها عن أمراض واقعي تطابقه أو لا تطابقه حسبما فصل القول فيه في محله وكلتا النسبتين معنى حرفي صادر من المتكلم إلا أن في الأول حكاية عن الواقع بخلاف الثاني والزمان الملحوظ في الفعل معنى حرفي وهو ظرف لتلك النسبة ففي الإخبار يكون ظرفا لها من الحيثية الثانية إذ هي التي يختلف الحال فيها بالمضي والحال والاستقبال وأما الحيثية الأولى فلا تكون إلا في الحال ولا حاجة إلى بيان الحال فيها وأما في الإنشاء إذا أخذ فيه الزمان فإنما يؤخذ من حيث صدورها عن المتكلم إذ ليست فيها حيثية أخرى فلذا لا يمكن أن يؤخذ فيها إلا زمان الحال ولذا نصوا بأن الأمر للحال يعنون به ما ذكرناه فإن قلت أن بيان ظرف النسبة في المقام مما لا حاجة إليه أيضا لوضوحه في نفسه حيث إنه ينحصر الحال فيه في الحال فأي فائدة في وضعه لبيان ذلك وحينئذ نقول إنه لما شاهد الواضع انتفاء الفائدة في الوضع المفروض أخذه قيدا في الحدث المنسوب ليكون مطلوبه الحدث الحاصل في الزمان الخاص من الأزمنة الثلاثة قلت فيه أولا إن جعل الزمان قيدا في الحدث يقضي بكونه معنى تاما ملحوظا بالاستقلال لا حرفيا رابطيا لوضوح أن القيود الملحوظة في الحدث معنى تام ينسب كالحدث المقيد به إلى الفاعل وليس الزمان المأخوذ في الأفعال كذلك لوضوح كون المعنى التام فيها هو معناها الحدث لا غير حسبما قرر في محله وثانيا أنه كما يتعين الحال في ملاحظته لنسبته الإنشائية كذا يتعين الاستقبال في ملاحظته قيدا للحدث ضرورة أنه لا يتصور طلب إيجاد الشيء إلا في المستقبل فلا فائدة أيضا في ذلك فإن دفع ذلك بالفرق بين كون الشيء مدلولا التزاميا أو وضعيّا فهو جار في الأول أيضا وإن قيل بأخذ الزمان فيه حينئذ من جهة اطراد الحال فيه في الأفعال فهو جار في الأول أيضا مع أولوية ذلك بعدم خروجه عن القانون المقرر في سائر الأفعال إذا تقرر ذلك فقد تبين لك أن الزمان المأخوذ في الأمر إنما هو زمان الحال على الوجه المذكور وهو مقصود علماء العربية من وضعه للحال وذلك لا ربط له بزمان صدور الحدث عن المخاطب إذ قد عرفت أن الطلب المأخوذ في الأمر معنى حرفي نسبي آلة لملاحظة نسبة معناه الحدث إلى فاعله فمفاد النسبة في اضرب كون الضرب منسوبا إلى المخاطب من حيث كونه مطلوبا منه في الحال فهو ظرف للنسبة المأخوذة كما هو الحال في الماضي والمستقبل من الأفعال وأما كون صدور ذلك الحدث عن المخاطب في أي وقت من الأوقات فهو مما لا دلالة في الأمر عليه وضعا أصلا ولا يقتضي عدم دلالته عليه نقصا في معناه الفعلي بوجه من الوجوه نعم إن ثبت أخذ الوضع لذلك أو لشيء من خصوصياته من الفور أو التراخي في الوضع كان ذلك متبعا وإن لم يثبت ذلك كما هو الظاهر ويقتضيه التبادر وكلام علماء العربية فلا وجه للالتزام به فظهر بذلك اندفاع الإيرادات المذكورة من أصلها كما لا يخفى على المتأمل فيما قررنا ثم إنه قد يحتج بكون الأمر للطبيعة في المقام بغير ما ذكر من الوجوه المذكورة في المسألة المتقدمة وإجرائها في المقام ظاهر فلا حاجة إلى التكرار وقد أشار إلى عدة منها هنا في النهاية إنما يفهم ذلك بالقرينة يمكن أن يقال إن وجود القرينة على