الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

143

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

ربما يعد من تبعها في عداد المقصرين مدفوع بأن الترك الصادر من إبليس قد كان على جهة الإنكار وكان استكباره على آدم عليه السلام باعثا على إنكاره رجحان السّجود ولا شك إذن في تحريمه بل بعثه على الكفر فهناك أمور ثلاثة إباء للسجود واستكبار على آدم عليه السلام وإنكار لرجحان السجود المأمور به من الله تعالى بل دعوى قبحه لاشتماله على تفضيل المفضول ولا ريب في بعثه على الكفر كما لو أنكر أحد أحد المندوبات الثابتة بضرورة الدين وكان في قوله تعالى أبى واستكبر وكان من الكافرين إشارة إلى الأمور الثلاثة فليس عصيانه المفروض مجرد ترك الواجب بل معصيته باعثة على الكفر سيما بالنظر إلى ما كان له من القرب والمكانة وغاية العلم والمعرفة ومع الغض عن ذلك فكون الترك الصادر منه على سبيل الاستكبار على آدم كاف في المقام إذ لا دليل على كون ما ترتب على مخالفته من الإبعاد والإهانة متفرعا على مجرد الترك ليفيد المدعى ومجرد احتمال حرمة الاستكبار سيما بالنسبة إليه خصوصا بالنظر إلى كونه على آدم عليه السلام كاف في هذا الاستدلال مضافا إلى ظهور قوله تعالى فما لك أن تتكبر فيها في قبحه وتحريمه بل هو الظاهر من سياق ظاهر الآيات أيضا وربما يظهر منها أن ما ورد على إبليس إنما كان من جهة الكبر وقد يستظهر ذلك من الأخبار أيضا فقوله إن هذا شيء ربما يعد من تبعها في عداد المقصرين مشيرا به إلى أنه لا يزيد على ارتكاب المكروه كما ترى ثم إنه قد يورد على الاحتجاج أمور أخر منها أن أقصى ما يفيده الآية دلالة الأمر على الوجوب في عرف الملائكة قبل نزول آدم عليه السلام إلى الأرض وإفادة الأمر للوجوب في لسانهم لا يفيد دلالته عليه عندنا وقد يجاب منه بأصالة عدم النقل وهو كما ترى إذ هو إنما يفيد مع اتحاد اللسان وكون الخطاب هناك بالعربية غير معلوم سيما إذا قلنا بكون الأوضاع اصطلاحية ومع احتمال اختلاف اللسان لا يعقل التمسك بأصالة عدم النقل وأجيب أيضا بأن حكاية أقوال أهل اللسان لآخرين إنما يصح من الحكيم إذا أتى بما يفيد المطلوب من لسان الآخرين واستعمال حقيقتهم في حقيقتهم ومجازهم في مجازهم وأنت خبير بأن أقصى ما يلزم أن يعتبره الحكيم عدم اختلاف المعنى وأما اعتبار الموافقة في النقل بين حقائق ذلك اللسان وهذا اللسان وكذا المجاز فمما لا شاهد على اعتباره ولا جعله أحد من شرائط النقل بالمعنى نعم يمكن أن يجاب بأن حكايته تعالى لتلك الواقعة بهذه الألفاظ دليل على كون الألفاظ المذكورة حقيقة فيما ذكر لتدل على المقصود بنفسها وإلا فلا يكون وافية بأداء المقصود ولا موافقا لما وقع في اللسان الآخر ومنها أن أقصى ما يفيده الآية دلالة أمره تعالى على الوجوب وأين ذلك من دلالته عليه بحسب اللغة وما قد يجاب عنه من أن المتبادر من التعليل هو كون العلة مخالفة الأمر من حيث إنه أمر لا من حيث إنه أمره تعالى مدفوع بأن ظاهر إضافة الأمر إلى نفسه في التعليل إنما يفيد ترتب الذم على مخالفة أمره من حيث إنه أمره فدعوى التبادر المذكور مع أن الظاهر من اللفظ خلافه غريب نعم يمكن أن يدفع بذلك ما لعله يقال إن غاية ما يفيده الآية لزوم حمل أوامره تعالى مع الإطلاق على الوجوب وهو أعم من كونه موضوعا له إذ قد يكون ذلك لقيام قرائن عامة على الحمل المذكور فإن تعليل الذم بمجرد مخالفة الأمر يدفع ذلك لاقتضائه كون الأمر بنفسه دالا على الوجوب لا من جهة انضمام القرينة الخارجية ولو كانت عامة ويمكن الجواب عما ذكر بأن ثبوت كونه حقيقة في الوجوب بحسب الشرع قاض بثبوته بحسب اللغة أيضا بملاحظة أصالة عدم النقل فغاية الأمر أن يضم الأصل المذكور إلى الآية لإتمام المقصود كما أخذ ذلك في الاحتجاج بالتبادر بل الظاهر أخذه في غيره أيضا وإن لم يشيروا إليه ومنها أن غاية ما يدل عليه الآية دلالة الصيغة الصادرة من العالي على الوجوب وأما دلالة صيغة افعل عليه مطلقا كما هو المأخوذ في العنوان فلا ويمكن دفعه بعد تسليم كون النزاع في الأعم بنحو ما مر في الاحتجاج السابق ومنها أن ما يستفاد من الآية دلالة الأمر على الوجوب من دون انضمام القرينة وأما كون تلك الدلالة بالوضع لخصوصيته فغير معلوم إذ قد يكون ذلك لدلالته على الطلب وظهور الطلب في الوجوب كما نشاهد ذلك في لفظ الطلب الموضوع للأعم قطعا فما يدل عليه الآية أعم من المدعى على نحو ما مرت الإشارة إليه في الاحتجاج المتقدم قوله الثالث قوله تعالى فليحذر الذين يخالفون عن أمره الآية قد يورد على الاحتجاج بهذه الآية الشريفة أيضا أمور أشار المصنف إلى بعضها منها أنه لا دلالة في الآية إلا على كون الأمر أمرها للوجوب بمعنى إرادة الوجوب منها إذ لا عموم في الآية وهو مما لا كلام فيه وقد أشار إليه المصنف ومنها أنه على فرض تسليم عموم الآية بكون أمره للعموم إنما يفيد حرمة مخالفة جميع أوامره تعالى وهو إنما يفيد اشتمال تلك الأوامر على ما يراد منه الوجوب فيرجع إلى الوجه الأول ومنها أنه بعد تسليم دلالته على كون كل من أوامره للوجوب فأقصى ما يفيده كون المراد منها ذلك وهو أعم من الوضع له فما يستفاد من الآية الشريفة هو حمل الأوامر المطلقة في الكتاب أو السنة أيضا على الوجوب فلا مانع من أن يكون ذلك قرينة عامة قائمة على ذلك مع كونها حقيقة لغة وشرعا في مطلق الطلب حسبما ذهب إليه بعض المتأخرين مستدلا على حملها على الوجوب بالآية المذكورة وغيرها ومنها أنه لو سلم دلالتها على الوضع للوجوب فإنما تدل على وضعها للوجوب بحسب الشرع لورود التهديد المذكور من الشارع فلا دلالة فيها على الوضع للوجوب بحسب اللغة كما هو المدعى فيكون الآية دليلا على مقالة السيد والعلامة ومن يحذو حذوهما ومنها أنه لو سلم دلالتها على الوضع له بحسب اللغة فإنما تدل على كون مفاد لفظ الأمر هو الوجوب دون الصيغة وقد عرفت أنه لا ملازمة بين الأمرين فأي مانع من القول بكون لفظ الأمر موضوعا بإزاء الصيغة التي يراد منها الوجوب وإن كان إرادة ذلك منها على سبيل المجاز أو الاشتراك أو من قبيل إطلاق الكلي على الفرد بوضعها للأعم من الوجوب ومنها أنه لو سلم دلالتها على حال الصيغة فإنما تفيد وضع الصيغة التي يكون مصداقا للأمر بإزاء الوجوب أعني الصيغة الصادرة من العالي أو المستعلي أو هما معا دون مطلق افعل كما هو ظاهر عنوان البحث لتكون نفس الصيغة موضوعة لخصوص الأمر أو للدلالة على الوجوب حسبما مر الكلام فيه ومنها المنع من إفادة الآية للتهديد فإنها مبنية على كون الأمر للوجوب ومع التمسك به يدور الاحتجاج وقد أشار إليه المصنف رحمه الله ومنها المنع من كون مطلق التهديد على الترك دليلا على الوجوب وإنما يكون دليلا عليه إذا وقع التهديد بعذاب يترتب على ترك المأمور به على سبيل التعيين دون الاحتمال وهو غير حاصل في المقام لدورانه بين الفتنة والعذاب ولا مانع من ترتب الفتنة على ترك بعض المندوبات فغاية ما يفيده التهديد المذكور مرجوحية المخالفة لما فيه من احتمال ترتب الفتنة الحاصل بمخالفة الأمر الندبي أو الحاصل العذاب بمخالفة الأمر الوجوبي فلا ينافي القول باشتراك