الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
134
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
المذكورة كون الفارق عندهم علو الرتبة ومساواتها وانخفاضها كما هو الظاهر مما سيجيء في دليل القائلين بكون الأمر للندب والحاصل أنه ليس هناك نقل مضبوط في المقام ليصح التعويل عليه والحق أن الفارق بينها هو ما بيناه كما هو الظاهر من العرف وحمل ما نقل منهم على ذلك غير بعيد ودعوى الاتفاق في المقام بين الوهن وملاحظة العرف أقوى شاهد على فسادها حجة القائل باعتبار العلو أنه يستقبح أن يقال أمرت الأمير ولا يستقبح أن يقال سألته ولولا أن الرتبة معتبرة في ذلك لما كان كذلك وربما يتمسك لذلك بجعلهم الرتبة فارقة بين الأمر وقرينه وقد عرفت ضعف الأخير ويرد على الأول أن الاستقباح قد يكون من جهة نفس الاستعمال بحسب اللغة وقد يكون من جهة قبح ما يدل عليه اللفظ بحسب العرف نظرا إلى خصوصية المقام والشاهد على الخروج عن الوضع إنما هو الأول دون الثاني فإن أريد بالاستقباح المدعى ذلك كان ممنوعا بل هو على إطلاقه فاسد قطعا لجواز الاستعمال فيه في الجملة عند الجميع ولو على سبيل المجاز ولا قبح فيه أصلا نعم لو كان الاستعلاء منفيا في ذلك المقام أيضا فربما أمكن ما ذكر إلا أنه لا يفيد المدعى بل يوافق ما اخترناه وإن أريد به الثاني فهو لا يفيد المنع اللغوي بل فيه شهادة على الاكتفاء فيه بالاستعلاء نظرا إلى كون القبح من جهة استعلائه على الأمير المخالف للتأدب معه ألا ترى أنه لو طلب شيئا من الأمير على جهة الاستعلاء صح أن يقال له على جهة الإنكار أتأمر الأمير من غير استقباح حجة القول باعتبار الأمرين ظهور لفظ الأمر عرفا في علو الآمر إذ هو المفهوم في العرف من قولك أمر فلان بكذا فإذا انضم إلى ذلك ما يرى من عدم صدق الأمر مع استخفاضه لنفسه دل على عدم الاكتفاء في صدقه بمجرد العلو فيعتبر الاستعلاء معه أيضا والحاصل أنه يدعى فهم العرف منه حصول العلو والاستعلاء معا وفيه ما لا يخفى ودلالة إطلاق الأمر على علو الآمر بحسب الواقع لا ينافي وضعه لما يعم علوه في نظره واعتباره بعد شهادة العرف به فالتبادر المدعى إن سلم إطلاقي كما لا يخفى وربما يحتج لذلك بما يأتي من وضع لفظ الأمر للوجوب وهو يتوقف على علو الآمر واستعلائه إذ لا يتحقق الوجوب إلا مع تحققهما وضعفه ظاهر بملاحظة ما يأتي إن شاء الله حجة القائل بعدم اعتبار شيء من الأمرين قياسه على الخبر وقوله تعالى حكاية عن فرعون فما ذا تأمرون وقول عمرو بن العاص لمعاوية أمرتك أمرا جازما فعصيتني وقول الأخير ليزيد بن المهلب أمرتك أمرا جازما فعصيتني فأصبحت مسلوب الإمارة نادما وقوله ربّ من أنضجت غيظا صدره قد تمنى لي موتا لم تطع والطاعة تتبع الأمر في الصدق ووهن الجميع ظاهر لا حاجة فيه إلى التفصيل ثم إن المعتبر من العلو هو العلو العرفي على نحو يصحح الأمر وكان المعتبر منه ارتفاع يقضي بالتزام طاعته في العرف لا خصوص العلو الذي يوجب طاعته عقلا أو شرعا كما هو ظاهر من ملاحظة الاستعمالات العرفية في إطلاق الأمر على طلب السلطان من الرعية والرئيس من المرءوسين والمخدوم من الخدام مع عدم وجوب الطاعة هناك بشيء من الوجهين في شيء منها وإن لزمت طاعتهم بملاحظة العرف وأيضا الوجوب العقلي والشرعي مما لا ربط له بالأوضاع اللغوية فلو اعتبر وجوب الطاعة فيه لم يزد على اعتبار لزومها في العرف فما في كلام بعض الأفاضل من تفسيره العالي بمن كان له تفوق يوجب طاعته عقلا أو شرعا كما ترى وكأنه أخذ ذلك من دلالة لفظ الأمر على الوجوب حسبما يأتي الإشارة إليه إن شاء الله وفيه أن ما قرره في ذلك المقام غير متجه والوجوب المدلول عليه بالصيغة ليس خصوص الوجوب العقلي أو الشرعي كما سيجيء بيانه إن شاء الله فاعتبار ذلك مما لا وجه له أصلا على مجرد وجوب الإتيان بما يطلبه عقلا أو شرعا لا يكفي في صدق الأمر كيف ولو كان كذلك لزم أن يكون الذاتي أمرا إذ التزام العالي شرعا بنذر وشبهه بإجابة مسئوله كما إذا نذر السيد أن يجيب مسألة عبده فيلزم انقلاب السؤال بذلك أمرا وهو بين الفساد إلا أن يعتبر مع ذلك العلو العرفي أيضا كما قد يومي إليه تعبيره عنه بالتفوق الذي يوجب طاعته عقلا أو شرعا فيكون المعتبر عنده هو العلو العرفي المقيد بذلك وهو كما ترى وكان مقصوده بالتفوق في المقام هو كونه بحيث يجب الإتيان بما يطلبه عقلا أو شرعا فتأمل ثانيها أنهم اختلفوا في كون الطلب المدلول للأمر نفس الإرادة أو غيرها فالمحكي عن أصحابنا والمعتزلة هو الأول ومن الأشاعرة القول بالثاني واحتج العلامة على ذلك بأنا لا نجد في الأمر أمرا آخر مغايرا للإرادة إذ ليس المفهوم منه إلا إرادة الفعل من المأمور ولو كان هناك معنى آخر لا ندركه فلا شك في كونه أمرا خفيّا غاية الخفاء حتى إنه لا يعقله إلا الآحاد فلا يجوز وضع لفظ الأمر المتداول في الاستعمالات بإزاء مثله بناء على ما تقرر من عدم وضع الألفاظ الدائرة في الاستعمالات بإزاء المعاني الخفية التي لا يدركها إلا الخواص وربما يحتج عليه بأن المتبادر من الأمر هو إرادة الفعل من المأمور فيكون حقيقة فيها وقضية ذلك اتحادها مع الطلب إذ لا قائل مع القول بدلالة الأمر عليها وضعا بالتغاير بينهما واحتجت الأشاعرة بوجوه أحدها أن الله تعالى أمر الكافر بالإيمان إجماعا ولم يرد منه لوجهين أحدهما أنه يستحيل منه وقوع الإيمان وإرادة المستحيل من العالم بحالة مستحيلة والمقدمة الثانية ظاهرة وأما الأولى فلعلمه تعالى بعدم صدوره منه فلو فرض صدور الإيمان لزم انقلاب علمه تعالى جهلا وهو محال فالمقدم مثله والملازمة ظاهرة ثانيهما أن صدور الكفر من الكافر لا بد أن يستند إلى سبب وذلك السبب لا بد أن ينتهي إلى الواجب لاستحالة التسلسل وإيجاده تعالى لذلك السبب يستدعي إرادة وقوع الكفر منه لكن إرادة السبب مع العلم بسببية إرادة المسببية فيستحيل منه إرادة ضده لاستحالة إرادة الضدين فإنه من قبيل اجتماع الضدين ثانيها أنه يصح أن يقول القائل لغيره أريد منك الفعل ولا أمرك به من دون تناقض بين القولين ثالثها أنه يصح صدور الأوامر الامتحانية من السلطان بالنسبة إلى رعيته ومن السيد إلى عبده وليس هناك إرادة الفعل مع أنها أمر على الحقيقة رابعها أنه قد تنسخ الأمر قبل حضور وقت العمل به فلو كان هناك مريدا للفعل لزم أن يكون مريدا وكارها للفعل الواحد في الوقت الواحد بالجهة الواحدة وهو محال فإن قلت إن الإرادة والكراهة إنما تعلقتا بالفعل في زمانين مختلفين فلا مضادة بينهما قلت اختلاف زمان الإرادة والكراهة غير متعقل في المقام مع اتحاد زمان الفعل وجهته إلا في صورة البدء والنكول عن الشيء وهو على حقيقته مستحيل على الله تعالى وأيضا فالإرادة والكراهة من صفاته تعالى وليستا حاصلتين في الزمان ليختلف الحال منهما بحسب اختلاف