الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

12

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

أدلة عليه لظهور ملاحظة الحيثية في نظائر تلك العبارة فيرجع المراد إلى دلالة تلك الأدلة على الفقه وإثبات تلك الدلالات إنما يكون في الأصول فمسائله هو ثبوت الدلالة لكل من تلك الأدلة كدلالة الأمر على الوجوب والإجزاء والنهي على التحريم والفساد ودلالة الأمر بالشيء على النهي عن ضده ونحو ذلك بقي الكلام في مباحث الاجتهاد والتقليد فإن البحث فيها ليس عن الأدلة فيحتمل أن يكون ذكرها في الأصول على سبيل الاستطراد ويمكن إدراج مباحث الاجتهاد فيه نظرا إلى أن البحث هناك عن حال المستدل وهو أيضا يرجع إلى أن دلالة تلك الأدلة على ثبوت الأحكام الشرعية إنما هي بالنسبة إلى من جمع الشرائط المخصوصة فهو أيضا بحسب الحقيقة بحث خال عن الأدلة وأنت خبير بأن أدلة الفقه من حيث إنها أدلة عليه هي الموضوع لعلم الأصول فهي بتلك الحيثية أيضا خارجة عن الفن وملاحظتها من حيث دلالتها على الفقه لا يجعل الأدلة عين الدلالة بناء على المعروف مضافا إلى الفرق البين بين أخذ الأدلة بالمعنى التصوري وملاحظتها متعلقة للحكم والتصديق المأخوذ في المسائل إنما هو الثاني ومدلوله المركب المفروض لا يزيد عن الأول فكيف ينطبق ذلك على مسائل الأصول على أن أدلة الفقه يشتمل الأدلة التفصيلية المذكورة في علم الاستدلال بل هي أظهر فيها فكيف يدعى انطباق المعنى الإضافي على فن الأصول كما ادعوه حسبما يأتي الإشارة إليه فظهر بما قررنا أن أخذ الأصول في المقام بمعنى الأدلة كما ذهب إليه جماعة من الأعلام ليس على ما ينبغي سيما إذا أريد تطبيقه على المعنى العلمي فالأولى حمل الأصول هنا على معناه اللغوي ثم إنهم قالوا إن هناك جزءا ثالثا وهو جزؤه الصوري أعني الإضافي وقالوا إن إضافة اسم المعنى يعني ما دل على معنى حاصل في الذوات سواء دل معه على الذات كما في المشتقات ولا يفيد اختصاص المضاف بالمضاف إليه في المعنى الذي عين له لفظ المضاف أعني وصفه العنواني وإنما خصصوا ذلك باسم المعنى وإن كان إضافة اسم العين مفيدة للاختصاص عندهم نظرا إلى عدم تعين ما به الاختصاص في تلك الأسماء فيختلف ذلك بحسب اختلاف الألفاظ كما في دار زيد وحمار عمرو ونحوهما بخلاف اسم المعنى فإن وجه الاختصاص متعين هناك فإن قولك مكتوب زيد ومملوك عمرو إنما يفيد الاختصاص في وصفه العنواني أعني المكتوبية والمملوكية واستندوا في الدعوى المذكورة إلى تبادر ذلك بحسب العرف كما هو الظاهر من ملاحظة المثالين المذكورين ونحوهما فقالوا حينئذ إن إضافة الأصول إلى الفقه تفيد اختصاص الأصول بالفقه في كونها أصولا له فيخرج عنه سائر العلوم مما يبتني عليه الفقه إذ ليست تلك العلوم مما يخص الفقه في توقفه عليها لتوقف غيره من العلوم أيضا عليها وأما علم الأصول وإن كان كثير من مسائله جاريا في غير الفقه أيضا إلا أنه لما كان تدوينه ووضعه لخصوص الفقه كان له اختصاص به بحسب التدوين فيصح لذلك أن يقال باختصاصه بالفقه فينطبق على معناه العلمي فيصير المفهوم المذكور معرفا رسميا له لاشتماله على خاصة وبذلك عدّ معناه الإضافي حدا لهذا الفن ويمكن المناقشة فيه مع ما فيه من التكليف بأنه مبني على ما ادعوه عن إفادة الإضافة الاختصاص وهو على إطلاقه محل منع وتوضيح الكلام فيه أن مفاد الإضافة هو انتساب المضاف بالمضاف إليه نسبة ناقصة والمستفاد من إضافة اسم المعنى هو انتسابه إليه في خصوص وصفه العنواني كما هو الظاهر من التأمل في استعمالاته العرفية وحينئذ فإن كان انتسابه إلى المضاف إليه مانعا من انتسابه إلى غيره بأن لم يكن ذلك العنوان قابلا للانتساب إلى شيئين كما في مملوك زيد ومكتوب عمرو إذ لا يمكن أن يكون جميع ذلك الشيء مملوكا أو مكتوبا لشخصين بإفادة الاختصاص وكان إفادة الاختصاص منه حينئذ مبنيا على ذلك من غير أن يكون مستندا إلى الوضع ابتداء وإن لم يكن كذلك بل كان قابلا للانتساب إلى شيئين أو أشياء كما في قولك محبوب زيد ومطلوب عمرو ومقصود بكر ونحوها لا يفيد الاختصاص كيف ولو كان ذلك مفيدا للاختصاص لكان قولك الله ربي وخالقي ورازقي ومصوري دالا على عدم كونه دالا على عدم كونه تعالى ربا وخالقا ورازقا ومصورا لغيره وهو ظاهر البطلان [ في بيان الحد بالمعنى العلمي لأصول الفقه . ] وحينئذ فنقول في المقام إن كون الشيء أصولا للفقه لا ينافي كونه أصولا لغيره أيضا حتى يكون انتسابه إلى الفقه في ذلك مانعا من انتسابه إلى غيره فلا يتجه دلالتها على الاختصاص ليتم ما ذكر من التقريب فظهر بما قررنا أن دعوى انطباق معناه الإضافي على معناه العلمي غير واضح مضافا إلى أنه قد يناقش في اختصاص ما دون من العلوم لخصوص الفقه بالأصول كما سيأتي الإشارة إليه إن شاء الله وأما حده بالنظر إلى معناه العلمي فهو على ما اختاره جماعة من المتأخرين هو العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الأحكام الشرعية الفرعية فخرج بالقواعد العلم المتعلق بالجزئيات كعلم الرّجال وبالممهدة لاستنباط الأحكام العلوم الغير الآلية وبالتقييد بالشرعية علم المنطق إذ ليس تمهيده لاستنباط الأحكام الشرعية بل لمطلق تصحيح النظر في اكتساب المطالب النظرية وكذا ما مهد من القواعد لاستنباط الأحكام العقلية وبالفرعية ما يتقرر من القواعد في بعض المقامات لاستنباط الأحكام الأصولية وقد يستشكل في الحد بلزوم اندراج القواعد المقررة في الفقه مما يستنبط منها الأحكام الفرعية المترتبة عليه في الأصول وقد يجاب بالتزام إدراج جملة منها في مباحث الأصول كأصالة الصحة في العقود وأصالة صحة تصرفات المسلم ونحوهما مما تقرر لأجل استنباط الأحكام وإدراج جملة منها في الفقه مما يكون المقصود منها بيان نفس الحكم الشرعي وإن استنبط منه حكم شرعي آخر إذ لا منافاة وفيه أن اندراج بعض تلك القواعد في الفقه لا يقضي بخروجها عن الحد إذ لم يؤخذ فيه عدم اندراج تلك القواعد في الأحكام الفرعية إلا أن يقال إن الظاهر من اعتبار كونها ممهدة لاستنباط الأحكام الفرعية أن لا تكون هي من جملة الأحكام الفرعية لكن في اندراج جميع ما تقرر من القواعد الفقهية لاستنباط الأحكام الفرعية في الأصول تأمل وقد يجعل التقييد بالفرعية مخرجا العلم الدراية فإنها موضوعة لاستنباط الأحكام الشرعية أصلية كانت أو فرعية إذ المقصود منها معرفة الحديث وهو يعم النوعين وفيه أن الملحوظ هناك معرفة الحديث لا خصوص استنباط الأحكام الشرعية بل خصوص الفرعية ومن البين أن الحديث يعم الوارد في الأحكام الشرعية وغيرها من القصص ونحوها وإن كان معظم ما يراد منها الأحكام الشرعية بل خصوص الفرعية هذا وذكر بعض الأفاضل أن التقييد بالممهدة يخرج علم المنطق والعربية وغيرهما مما يستنبط منها الأحكام ولكن لم يمهد لذلك وبالأحكام ما يستنبط منها الماهيات الشرعية كالصلاة والصيام ونحوهما وغيرها مثل صفاتها كصلاة الظهر والنكاح الدائم والطلاق الرجعي ونحوها فإن معرفتها ليست من مسائل الفقه حتى يكون قواعد الأصول ممهدة لاستنباطها بل هي من مباديها وإن ذكرت في طي مسائله فمثل مباحث الحقيقة الشرعية وجواز إجراء الأصل في إثبات ماهية العبادات ونحو ذلك مما يبحث عنه في علم الأصول وإن كان يستنبط منها الماهيات لكنها لم يمهد لمعرفة الماهيات من حيث إنها هي بل لما يترتب عليها من الأحكام ولا يذهب عليك ما فيه أما إخراج المنطق والعربية بقيد الممهدة فظاهر الوهن لوضوح كون جميع العلوم المدونة من الأمور الممهدة فكيف يعقل خروج شيء منها بذلك نعم بعد تقييدها بقوله لاستنباط الأحكام الشرعية يخرج ذلك حسبما أشرنا إليه لا بمجرد التقييد بالممهدة حسبما ذكره وأما إخراجه بالأحكام ما يستنبط منه الماهيات ونحوها فغير متجه أيضا إذ ليس