الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
128
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
إلا إطلاق اللفظ وإرادة المعنى فكيف لا يعد ذلك من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه قلت لو كان الانتقال إلى معناه اللازم من اللفظ ابتداء ولو بواسطة الانتقال إلى ملزومه أو إرادة تصويره في ذهن السامع كان اللفظ مستعملا فيه وأما إذا كان الانتقال إليه من جهة ثبوت المعنى المراد من اللفظ المستلزم ثبوته لثبوت ذلك اللازم فليس ذلك من استعمال اللفظ فيه وإن أراد المتكلم إفادته أيضا وكان بناؤه على بيانه كبيان ملزومه فإن الانتقال إلى وجود اللازم والعلم بحصوله إنما يجيء من جهة ثبوت ملزومه لا بإرادته من اللفظ ابتداء نظير سائر اللوازم المقصودة من الكلام مما لا يستعمل اللفظ فيما إذا كان المقصود من الكلام إفادة لازم الحكم فقط أو مع إفادة الحكم أيضا إذ ليس اللفظ هناك مستعملا إلا في إفادة نفس الحكم وإنما ينتقل منه إلى لازم الحكم بالالتزام ولذا لا يعد الحكم المقصود منه إفادة لازم الحكم من المجاز والذي يوضح ذلك أن استعمال اللفظ في المعنى إما أن يكون على سبيل الحقيقة أو المجاز وعلى التقديرين فالدال على المعنى هو نفس اللفظ ابتداء غير أن دلالته عليه قد يكون بتوسط الوضع وقد يكون بواسطة القرينة فالدال على المعنى هو اللفظ والوضع والقرينة هما الباعثان على دلالته فليست القرينة هي الدالة على المعنى المجازي بل الدال هو اللفظ المقترن بالقرينة كما قرر في محله وهذا بخلاف دلالة اللفظ على لوازم المعنى المراد وإن كانت تلك اللوازم مقصودة بالإفادة أيضا فإن الدال عليها أولا إنما هو ذلك المعنى المراد واللفظ هناك دال بعيد حيث إنه يدل على ما يدل عليها أولا إنما هو ذلك المعنى المراد فتبين بما قررنا وجه الفرق بين دلالة الألفاظ على معانيها المجازية ودلالتها على معانيها الالتزامية فإنها اشتركت في كون الدلالة غير وضعية حسبما مرت الإشارة إليه إلا أن الدال في المجازات هو نفس اللفظ بانضمام القرينة وفي المداليل الالتزامية بكون الملزوم هو الدال عليها بلا واسطة واللفظ إنما يدل عليها بتوسط دلالتها على المعنى الدال عليها ومن هنا يظهر وجه الحاجة في دلالة المجازات على قيام القرينة مع أن من المعاني المجازية مما لا يحتاج انفهامها إلى نصب القرينة كما إذا كانت من اللوازم البينة لمعانيها الحقيقية فإن ذلك الملزوم لا يفيد كونها مدلوله في الدلالة الحاصلة في المجازات غاية الأمر أن يفيد كونها مدلولة على النحو الثاني وهو غير قاض بكونها مدلولة للفظ ليكون اللفظ مستعملا فيها كما هو المعتبر في المجاز وبملاحظة ما ذكرنا صح إدراج دلالة المجازات في المطابقة نظرا إلى تعلق الوضع الترخيصي بها حسبما مرت الإشارة إليه إذا تقرر ذلك فقد ظهر الوجه في كون اللفظ مستعملا في خصوص المعنى الموضوع له في المقام دون معناه اللازم فلا يكون اللفظ مستعملا في معناه الحقيقي والمجازي كما هو الملحوظ في محل النزاع فإن قلت إذا أمكن إرادة اللازم من اللفظ على كل من النحوين المذكورين فأي مانع من أن يكون ذلك مرادا في الكناية على نحو ما يراد في المجاز إرادة معناه الموضوع له أيضا فيكون اللفظ مستعملا في معناه الحقيقي والمجازي على نحو ما يقوله المجوّزون قلت الاحتمال المذكور مدفوع بما قررناه في وجه المنع من تعلق إرادتين مستقلتين بلفظ واحد وجعله علما على كل من المعنيين المفروضين والمقصود مما بيناه دفع ما يقال من دلالة ما ذكره علماء البيان في بيان الكناية على جواز استعمال اللفظ في معناه الحقيقي والمجازي بجواز حمل ما ذكروه على ما قررناه وقد عرفت أن الظاهر بعد التأمل في الاستعمالات ثم إن ما ذكر في وجه الجمع بين القولين من أن القائل بالجواز لا يجوزه في المجاز البياني إلى آخره محل نظر إذ قد يقال إن القدر الثابت من اعتبار القرينة المعاندة تعاندها لإرادة الحقيقة بتلك الإرادة لا بإرادة أخرى منضمة إليها كما هو المعتبر في موضع النزاع فلا مانع من القول بجواز إرادة المعنيين مع حصول القرينة المعاندة أيضا كيف وقد أورد ذلك جماعة من المتأخرين على الدليل المذكور وبنوا على عدم إثباته لمنع الاجتماع بين المعنيين على ما هو المفروض في المقام فلا يتجه نفي الخلاف عن عدم جواز الاجتماع بالنسبة إلى المجاز البياني فإن قلت إن الظاهر مما ذكره علماء البيان هو كون القرينة مانعة عن إرادة الحقيقة مطلقا ليمكن جعله فارقا بين المجاز والكناية لما هو ظاهر من كون كل من المعنى الحقيقي والكنائي مرادا هناك بإرادة مستقلة إذ ليس المقصود هناك مجموع المعنيين ولا أحدهما فلا يتم الفرق المذكور إلا على ما بيناه قلت إن المقصود مما ذكرنا إمكان وقوع الخلاف في المقام نظرا إلى حمل كلامهم على ذلك كما توهمه أولئك الأعلام لا تصحيح حمله على ذلك فلا يتجه لأجل ذلك الحكم بانتفاء الخلاف عن جواز الاستعمال بالنسبة إليه وإن كان المتجه عدم جوازه كما يشهد به الشرط المذكور ولا يلزم من ذلك جواز الاجتماع بالكناية لما عرفت مما أوضحناه فظهر أيضا بما قررنا اندفاع ما أورده الجماعة على الدليل المذكور قوله إنه ليس بين إرادة الحقيقة إلى آخره هذا مبني على إنكار كون المجاز ملزوما للقرينة المعاندة لإرادة الحقيقة مطلقا إذ ليست القرينة شرطا في صحة استعمال المجاز حتى يكون ملزوما لها بحسب اللغة فلو استعمل اللفظ في المعنى المجازي من دون ذكر قرينة أصلا لم يكن ذلك غلطا في الاستعمال بحسب اللغة وإنما يكون قبيحا من جهة الإغراء بالجهل حتى إنه إذا لم يكن إغراء بالجهل لم يكن هناك مانع أصلا كما إذا استعمل المجازات في الأدعية من دون ذكر القرينة لوضوح المقصود عنده تعالى وكذا لو جاز الكذب لأجل الضرورة فوري المستعمل في كلامه بإرادة المعنى المجازي تفصّيا من الكذب كان الاستعمال صحيحا قطعا ويشير إلى ذلك أنه لا يعتبر في القرينة أن تكون مقارنة للمجاز لجواز تأخير البيان عن وقت الخطاب في الجملة كما هو المعروف ومن البعيد أن تكون القرينة المتأخرة شرطا في صحة الاستعمال الحاصل في زمان آخر قبله فإذا ثبت أن ذكر القرينة لأجل الإفهام لا لأجل كونها شرطا في صحة الاستعمال ظهر فساد كون المجاز ملزوما بحسب اللغة للقرينة المعاندة لإرادة الحقيقة مطلقا فإن ما يراد بها إفهام المخاطب إرادة المعنى المجازي وهو حاصل بإقامة القرينة على إفهام المعنى المجازي في الجملة سواء أريد معه المعنى الحقيقي أيضا أو لا ويدفعه أن ما ذكر من كون المجاز ملزوما للقرينة المعاندة لإرادة الحقيقة مطلقا ليس مبنيا على كون القرينة شرطا في صحة التجوز بل يتم ذلك مع كون القرينة لأجل الإفهام حيث إنه بعد الوقف انفهامه على قيام القرينة وكون الكلام مسوقا لأجل الإفهام يكون إرادة المعنى المجازي ملزوما للقرينة المفهمة لكن إرادة المعنى المجازي على النحو الذي فصلناه لا يجامع إرادة المعنى الحقيقي إذ لا يصح أن يراد من لفظ واحد معنيان مستقلان حسبما مر القول فيه بل لا حاجة في المقام إلى ما قررناه في المشترك نظرا إلى أن إرادة المعنى المجازي من اللفظ موقوفا على ترخيص الواضح قطعا والقدر الثابت من ترخيصه من التتبع في الاستعمالات