الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

125

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

قيد الوحدة في كل منهما فإرادة كل منهما مع الآخر ينافي الوحدة الملحوظة من جهتين والذي يظهر من التأمل في كلامه أنه لم يأخذ في الاحتجاج اعتبار الوحدة في وضع اللفظ لكل من المعنيين سواء كانت جزءا من الموضوع أو شرطا فيه أو في الوضع كيف ولو أخذ ذلك لم يصح ما ادعاه من كون معاني اللفظ حينئذ ثلاثة لكون استعماله في المعنيين معا كاستعماله في كل منهما منفردا حقيقة أيضا ضرورة إسقاط الوحدة المعتبرة حينئذ فيكون اللفظ مستعملا في غير الموضوع له قطعا فكيف يلزم أن يكون ذلك أيضا حقيقة حسبما ادعاه بل الظاهر أن مقصوده إلزام كون المعنيين معا أيضا معنى حقيقيا للفظ نظرا إلى وضعه لكل منهما واستعماله فيهما فيكون ذلك إذن بناء على القول بجواز الاستعمال فيهما معنى ثالثا للفظ مغايرا لكل منهما ويكون اللفظ مشتركا بين تلك الثلاثة ولما كان مورد النزاع هو استعمال المشترك في جميع معانيه فلا بد من كونه مستعملا في المعاني الثلاثة المذكورة ورتب على ذلك لزوم التناقض ويمكن تقرير كلامه في بيان التناقض بوجهين أحدهما أن يريد بذلك لزوم التناقض بين المرادين فإن إرادة المعنيين معا قاضية بعدم الاكتفاء بكل منهما في الامتثال والإطاعة بل لا بد فيه من حصول الأمرين وإرادة كل منهما قاضية بحصول الامتثال بالإتيان بكل منهما وهما متنافيان ثانيهما أن يقرر ذلك بالنسبة إلى نفس الإرادتين نظرا إلى أن إرادة المعنيين معا قاضية بعدم إرادته لكل منهما منفردا إنما يكون بعدم إرادته الأمرين معا وكان الأظهر حمل كلامه على الأول إذ لو أراد الثاني لم يقتصر في بيان المنافاة على المنافاة الحاصلة بين إرادة كل منهما منفردا وإرادة المعنى الثالث الذي أثبته في المقام أعني المعنيين بثبوت المنافاة أيضا بين إرادة المعنيين الأولين أيضا نظرا إلى ملاحظة الوحدة في كل منهما وكان هذا الوجه ناظرا إلى التقرير المتقدم فقد يلغوا معه اعتبار تلك المقدمات لإمكان التمسك به من أول الأمر إلا أن يقال إن ذلك لا يقضي بإلقاء المقدمات المذكورة بالنظر إلى ما ذكره من التقرير غاية الأمر أن لا يحتاج إليها في التقرير الآخر فلا يرد عليه استدراك بعض المقدمات بل يرد عليه أن هناك طريقا آخر في الاحتجاج لا حاجة فيه إلى ضم المقدمات المذكورة وهو لا يعد إيرادا على الحجة وكيف كان فلا يخفى وهن الحجة المذكورة على التقرير المذكور وعلى ما قررناه من وجوه شتى قوله له حينئذ ثلاثة معان إلى آخره لا يخفى أنه إن قيل بكون اللفظ موضوعا لكل من المعنيين بقيد الانفراد لم يكن استعماله في المعنيين معا على سبيل الحقيقة قطعا لسقوط قيد الانفراد وإن قيل بكونه موضوعا لكل من المعنيين لا بشرط الانفراد وعدمه لم يكن استعماله في المعنيين استعمالا في معنى ثالث لكونه استعمالا في نفس المعنيين المفروضين نعم يكون الاستعمال المشترك حينئذ على وجوه ثلاثة لا أن يثبت له هناك معان ثلاثة والفرق بين الأمرين ظاهر وكان مقصوده باستعماله في المعنيين أن يستعمل في مجموعهما كما يومي إليه قوله معا والتعبير عنه بعد ذلك بإرادة المجموع وحينئذ فكون المعاني ثلاثة مما لا ريب فيه مع قطع النظر عن اعتبار الوحدة أيضا إلا أن دعوى كون استعماله في المعنيين كذلك حقيقة بين الفساد ثم إنه لو صح ما ذكره في بيان كون المعاني ثلاثة لجرى في كونها أربعة وهكذا فلا تقف معانيها على حد قوله وقد فرض استعماله في جميع معانيه لا يخفى أن ذلك غير مأخوذ في محل البحث فإن المبحوث عنه في المقام هو استعماله في أزيد من معنى سواء استعمل في الجميع أو لا نعم القائل بظهوره في الاستعمال في جميع معانيه بحمله عليه عند التجرد عن القرائن وذلك مما لا ربط له بمحل النزاع في المقام قوله الاكتفاء بكل واحد منهما ظاهر ذلك يعطي ما ذكرناه من كون مقصوده الاكتفاء به في الامتثال لظهور لفظ الاكتفاء في ذلك وكذا قوله وكونهما مرادين على الانفراد فإن الظاهر كون قوله على الانفراد قيدا للمراد لا للإرادة لا يشتمل عليه ذلك من التناقض في نفسه وحينئذ فيرد عليه أن غاية ما يلزم حينئذ أن يكون هناك تكاليف ثلاثة أحدها الإتيان بهما على الاجتماع بأن يكون كل منهما بعضا من المراد كما هو ظاهر كلامه والثاني والثالث التكليف بكل منهما منفردا فلا تناقض نعم لو تعلق هناك تكليف واحد بما ذكر على النحو المذكور ثبت التناقض إلا أن استعمال المشترك في معانيه لا يقضي بذلك أصلا ومع الغض عن ذلك فالمفروض في محل النزاع استعمال المشترك في معانيه التي يمكن الاجتماع بينها في الإرادة حسبما مر فعلى فرض كون المعنيين معا معنى ثالثا لا يلزم من القول بجواز استعمال المشترك في معانيه أن يراد أيضا لعدم إمكان إرادته أيضا نظرا إلى ما قرره من لزوم التناقض فليكن المراد حينئذ هو كل منهما منفردا وبه يحصل ما هو المقصود على أنا نقول إن موضع النزاع هو المعنى الثالث على ما يقتضيه جعله مقدما في القياس الأول فما ذكر في تالي القياس الثاني من لزوم كونه مريدا لأحدهما خاصة غير مريد له كذلك فاسد إذ مع إرادة المعنيين معا لا يراد كل منهما منفردا غاية الأمر أن لا يكون ذلك استعمالا له في معانيه بل في معنى واحد ولا مناقشة فيه بعد وضوح المراد قوله والجواب أن ذلك مناقشة لفظية إلى آخره هذا الجواب ينطبق على التقدير المقدم وقد عرفت بعده من كلام المستدل كيف وكثير من مقدماته المذكورة حينئذ مستدركة ولا حاجة فيه إلى التطويل المذكور حسبما أشرنا إليه قوله فإن أفاد المفرد التعدد أفاده الظاهر أنه أراد بما ذكره أولا من كونهما مفيدين للتعدد هو الدلالة على التعدد والمفرد بما ذكره ثانيا هو الدلالة على تعدد نفس المعنى فهما مستقلان في الدلالة على التعدد لكن على الوجه الأول وهو الفارق بينهما وبين المفرد وأما دلالتهما على التعدد بالوجه الثاني فتابعة لإفادة المفرد إياه قوله فإن السجود من الناس إلى آخره لا يخفى أن قضية ظهور المشترك في جميع المعاني كما هو شأن الدلالة على العموم عند إسناد العام إلى كل من المذكورات وليس مفاد ذلك الآيتين ولا ادعاه المستدل فلا يطابق ما ادعوه قوله وهو غاية الخضوع قد يستشكل في المقام بأنه لو أريد به ذلك لم يتجه تخصيصه بكثير من الناس إن أريد به الخضوع التكويني وإن أريد به التكليفي فلا يعم ما عدا المكلفين فلا يصح إسناده إلى غيرهم أيضا ويدفعه أن المراد به مطلق الخضوع الأعم من الوجهين إلا أن ذلك إذا أسند إلى غير ذوي العقول انصرف إلى الأول وإذا أسند إلى دونها انصرف إلى الثاني لظهور الفعل المنسوب إليهم فيما صدر منهم على سبيل الاختيار أو يقال إن الكفار من ذوي العقول لما تعارض فيهم الخضوع التكويني والعناد والاستكبار الحاصل منهم في مقام التكليف تعادلا فكأنه لا خضوع فيهم أو يقال إن الفائدة في تخصيصهم بالذكر شرافتهم وظهور الخضوع والانقياد بالنسبة إليهم بخلاف غيرهم ويريد ذلك اندراج الكل في قوله تعالى من في السماوات ومن في الأرض فيكون ذكر الخاص بعد العام لأحد الوجهين المذكورين فلا حاجة إلى التزام التخصيص في الأول وقد يجعل