الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
107
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
من العبادات إذا طرأها فساد لترك جزء أو ارتفاع شرط أو وجود مانع وقد تداول الحكم بإعادته حينئذ في ألسنة العلماء كافة من الخاصّة والعامّة وقد جروا على استعمالها في كتبهم المصنفة وشاع استعمالها في ذلك المقام حتى بين العوام ومن البيّن أن الإعادة بحسب العرف واللغة عبارة عن الإتيان بالشيء ثانيا بعد الإتيان به أولا بل ذلك هو معناه المصطلح أيضا وإن أخذ فيه بعض الخصوصيّات وقضية ذلك كون الفعل الواقع أولا مندرجا في المسمّى وإلا لم يكن الفعل الثّاني إتيانا بذلك الفعل ثانيا بل كان إتيانا أوليا بذلك يخرج عن كونه إعادة وبالجملة لو كانت أسامي العبادات موضوعة بإزاء الصّحيحة لم يكن تحقق الإعادة إلا مع صحة المأتي به أولا ولا يجري ذلك إلا في نادر من المقامات ممّا وردت إعادته مع صحة الأول كالعادة جماعة ونحوها وأمّا معظم ما ورد فيه الإعادة وتواتر نقله من أهل العصمة وشاع استعماله بين المتشرّعة فإنما هو من فساد الفعل الأوّل كما هو قضيّة الأمر بالإعادة والحكم بوجوبها إذ لا وجه له مع صحّة الفعل الأول والتزام التجوز في جميع الاستعمالات المذكورة مع شيوعها وتداولها بعيد كمال البعد بل ربّما يقطع بفساده على أن مجرّد الظهور كاف في المقام لكون المسألة لغويّة متعلقة بالأوضاع اللغويّة ومنها أنها قد شاع في الاستعمالات الجارية وتداول بين الخاصّة والعامّة الحكم ببطلان الصلاة وفسادها عند حصول ما يفسدها وكذا الحال في غيرها من العبادات ولولا أنها موضوعة للأعم لم يصح الحكم عليها بذلك لوضوح بطلان الحكم ببطلان العبادة الصّحيحة والحكم بفسادها والتزام التجوز في تلك الإطلاقات الشائعة بعيد جدا ومنها أنّه قد تظافر النهي من جملة من العبادات ولو كانت أسامي للصّحيحة لما صح تعلق النهي بها إذ لزم القول بعدم اقتضاء النهي عنها الفساد بل قضي ذلك بدلالة النهي عنها على الصّحة بمقتضى المادة كما حكي القول به عن أبي حنيفة وتلميذه لتعلق النهي بمسمّى اللّفظ الّذي خصوص الصّحيحة فيكون الإتيان به صحيحا بمقتضى المادّة محرما خاصة بمقتضى الهيئة وإلا لزم الناقضة بين الهيئة والمادة والقول بأن ذلك إنما يتم على فرض إمكان وقوعه منه وهو ممنوع مدفوع بما هو ظاهر من عدم جواز تعلق النهي بغير المقدور كما لا يصح تعلق الأمر بما لا يقدر على تركه كالكون في المكان ولذا يقبح أن يقال للأعمى لا تبصر وللإنسان لا تنظر ونحو ذلك وتعلق النّهي بها دليل على إمكان وقوعها والقول بالتزام التّجوّز في لفظ الإعادة أو في مادة النّهي والخروج عما وضعت له مدفوع بكونه خلاف الظاهر لبعد التزام التّأويل في جميع تلك الاستعمالات بل ربّما يقطع بفسادها سيّما مع عدم قيام دليل على الوضع للصّحيحة ليبعث على ذلك وعلى فرض قيامه فلا ريب في كون الجري على الظاهر في تلك الاستعمالات الشّائعة أظهر فهو بالترجيح أولى والجواب عن الأوّل أمّا أولا فبأن ذكر العبادة في الأخبار وسائر الاستعمالات ليس مختصا بما إذا وقع الفعل كاملا بحيث يصدق عليه الاسم بل كثيرا ما يطلق مع الإتيان ببعض الفعل بحيث لا يصدق عليه اسم تلك العبادة وإنما يعد بعضا منه كما إذا صلى ركعة من الظهر أو العصر أو بعضا منها وشكّ بين الركعة والركعتين أو طرأه غير ذلك من المفسدات فإنه يقال إنه يعيد صلاته مع أنه ما أتى به لم يكن مصداقا محققا عن مصاديق الصلاة والفرق بين ذكر الإعادة في هذه المقامات وغيرها بالتزام التجوّز في المقام دون غيره بعيد جدّا إذ الظاهر كون الإطلاقات في الجميع على نهج واحد والّذي يخطر بالبال في تصحيح ذلك أن يقال إن صدق الإعادة لا يتوقف على الإتيان بتمام الفعل أوّلا بل إذا تلبّس بفعل ودخل فيه ثمّ تركه واستأنفه يقال إنّه عاد إلى ذلك الفعل وأعاده وليس القدر المتكرر منه إلا البعض فذلك كاف عرفا في نسبة الإعادة إلى مطلق ذلك والظاهر أنّه كذلك لغة أيضا ونظير ذلك واقع في غيرها من الألفاظ تقول ضربت زيدا ومستحب الجدار ولم يقع الضّرب والمسح إلا على البعض منهما فنقصان بعض الأجزاء والشرائط وإن قضي بفساد العمل إلا أنه يصدق معه الإتيان ببعض ذلك العمل وهو كاف في صدق الإعادة بحسب العرف كما عرفت فإن قلت إنه على القول بكون الصلاة اسما للصّحيحة لا يكون القدر الواقع منه بعد إبطال العمل بعضا من الصلاة لطرو الفساد الباعث على خروجه عن ذلك فكما أنّه على فرض إكماله فاسد لا يندرج في الصلاة حقيقة فليس مع الاقتصار عليه بعضا من الصلاة أيضا فالوجه المذكور إنّما يتم على القول بكفر الصلاة اسما للأعم قلت لما كان الفعل قبل طرو المفسد متصفا بالصّحّة ولذا يقال بعد طروه أنه أفسد عمله بكذا ولا يصح القول ببطلان عمله من حين شروعه يكشف ما لحقه من المفسد عن فساده من أوّل الأمر كان ذلك مصحّحا للحكم بإتيانه ببعض الصلاة الصّحيحة وإن طرأ البطلان بعد ذلك وبالجملة الصّحّة والفساد إنّما يطريان حقيقة على تمام العمل ويتّصف الأبعاض بهما تبعا للكل فإذا وقع بعض العمل على الوجه المعتبر المتصف بالصّحّة بملاحظة كونه بعضا من العمل الصّحيح فهو صحيح بالوجه المذكور قبل طرو المفسد من غير منافاة بين وقوعه صحيحا بالوجه المذكور وما طرأ من الفساد بعد ذلك ولذا يصدق حينئذ دخوله في الصلاة على الوجه الصّحيح ويتعلق بذمّته إذ المنذور فيما لو نذر أن يتصدّق بدرهم إذا دخل في الصلاة على الوجه الصّحيح في الأماكن المكروهة بل حكم الشّهيد رحمه الله بالحنث مع نذره عدم إيقاع الصلاة فيها بمجرّد الدخول فيها صحيحا والوجه فيه أنّه يصدق عرفا مع الشّروع في الفعل أنّه يصلي في ذلك المكان والمفروض أنّه نذر أن لا يصلّي فيه وعدم صدق الصلاة على ما أتى به بعد إفساده في الأثناء لا يقضي بعدم صحّة إطلاق يصلّي هناك سبيل الحقيقة قبله فإن الأفعال التّدريجيّة يصح استناد ذلك الفعل إلى المتلبّس بها حقيقة على النّحو المذكور