الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

105

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

ولا يجدي نفعا وإن أريد أنّه مأمور به على كل حال فهو ممنوع ولو استند فيه إلى إطلاقات الأمر وفيه مع منع ورودها في جميع الموارد أنّها لا تصادم ما دل على الوضع للأعم القاضي تقييدها بما إذا كانت جامعة لجميع الأجزاء والشرائط مما ثبت اعتبارها في الصّحة ويدفعه أنّه لا ريب بتعلق الأفراد الأوامر أو ما بمعناها بجميع العبادات إذ قوام الصلاة بالعبادات بالأمر ومن البين أن الأوامر لا تتعلّق بالفاسدة فقضية ذلك كون ما تعلّق به تلك الأوامر صحيحة ولما كانت متعلقا بها على إطلاقها ثبت صحتها كذلك فتكون الفائدة خارجة عنها ودعوى عدم مقاومته لما دلّ على الوضع للأعم تسليم لدلالة ذلك على المدّعى فيثبت في دفعه إلى كون ما يدلّ على الوضع للأعم أقوى وستعرف إن شاء الله تعالى أن ما احتجّ به لذلك غير ناهض عليه في نفسه فكيف بمقاومته لذلك والثامن ما أفاد المحقق المذكور أيضا من أنّها لو كانت موضوعة للأعمّ لم يكن توقيفية بل كان الرجوع فيها إلى العرف إذ هو المناط فيها على القول المذكور والتّالي باطل ضرورة كونها أمورا توقيفية متلقاة من صاحب الشّريعة ولا يصح الرّجوع فيها إلى عرف ولا عادة وأورد عليه تارة بالنقض فإن القائل بوضعها للصحيحة يرجع فيها أيضا في إثباته إلى العرف ولذا استدلوا عليه بالتّبادر وصحة السّلب كما مر وأخرى بمنع الملازمة إذ مجرّد الرّجوع إلى العرف لا يقضي بعدم كونها توقيفيّة نعم إنما يلزم ذلك لو كان المرجع فيها إلى العرف العام كما هو الحال في المعاملات وليس كذلك بل المرجع فيها إلى العرف المتشرّعة الكاشف عن مراد صاحب الشّريعة وهو أخذ بالتوقيف وكما أنّه يرجع في الألفاظ اللّغوية والعرفيّة العامّة إلى اللغة والعرف العام ولا ينافي كون ذلك توقيفيا بل يحققه فكذا في المقام غاية الأمر أن المعتبر هناك التوقيف من أهل اللغة والعرف العام والمعتبر هنا التوقيف من الشرع وهو حاصل بالرّجوع إلى عرف المتشرعة للاتفاق على اتحاد المعنى العرفي لما استعمل فيه في كلام الشّارع ولا فارق بين التوقيفيين والعلة المجوّزة هناك مجوّزة هناك أيضا لاشتراكهما في التوقف على التوقيف وعدم سبيل العقل في الحكم به وهو ظاهر قلت لا يخفى أن هنا توقيفيّا في معرفة المعنى في الجملة ككونه العبارة المعروفة المستجمع لجميع الأجزاء والشّرائط المعتبرة في الصّحّة أو الأعم من ذلك ومن الفاسدة وتوقيفيا في معرفة تفاصيل ذلك المعنى من أجزائه وشرائط المعتبرة فيه فتميّز به خصوص المصاديق ولا ريب أن الأوّل مما يتحصل من ملاحظة عرف المتشرعة ولا مانع من الرّجوع إليه ولذا استند الفريقان فيما ادّعوه إلى العرف حين احتجّوا بالتّبادر وغيره وأما الثاني فهو الذي عناه المستدل في المقام ولا ريب أن العرف لا يفي بتلك التفاصيل بل يرجع فيه المقلّد إلى المجتهد والمجتهد إلى الأدلة التفصيليّة من غير رجوع في تعيين شيء من واجباته وشرائطه إلى العرف سواء قلنا بكون تلك الألفاظ موضوعة بإزاء المعنى الإجمالي حسبما أشرنا إليه في الصلاة من غير أن يؤخذ في نفس ما وضع اللفظ له تلك التفاصيل كما هو الظاهر فيدور الأمر في صدقه مدار صحّته وكونه مقربا سواء زادت أجزاؤه أو نقصت حتى إنّه يقال يصدق الصلاة مثلا على الصلاة المقرّرة في الشرائع المتقدمة بملاحظة زمان صحّتها أو قلنا بكونها موضوعة بإزاء ما اعتبر فيه الأجزاء على التفصيل بأن يجعل كلا من الأجزاء والشّرائط معتبرا في الموضوع له أما على الأول فظاهر إذ معرفة المصداق حينئذ ليس من شأن العرف ألا ترى أن القيمة السّوقيّة ونحوها يرجع في فهم معناها إلى العرف لكن في تعيين ما هو قيمته يرجع إلى أهل الخبرة فكذا في المقام وأما على الثاني فلأنّه لما كانت الأجزاء والشّرائط المعتبرة فيها متكثرة والعرف لا يفي غالبا بمعرفة تلك التفاصيل فهم إنّما يتصورون المعنى الموضوع له في أمثال ذلك على وجه تميزه من غيره من غير أن ينتقل إلى التفصيل فهم إنّما يعرفون من الموضوع له في أمثال المقام أنّه معنى شأنه كذا مثلا فلا بد في معرفة التفصيل أيضا من الرّجوع إلى الأدلّة التفصيليّة والحاصل أن كون المعنى موضوعا له عند أهل العرف للفظ لا يستلزم تصورهم لذلك المعنى على سبيل التّفصيل حتى يتميز تفاصيله بالرّجوع إليهم بل الغالب فيه في مثل المقام هو تصور المعنى بالوجه وعلى سبيل الإجمال حسبما ذكر وهو كاف في فهمه وحينئذ فلا وجه لما ذكرنا من الرّجوع في تمييز تفصيل المعنى إلى العرف إذ ليس ذلك من شأنهم وإنما شأن أهل العرف الرّجوع في ذلك إلى العلماء وأهل المعرفة كما هو ظاهر من ملاحظة الحال في كل واحد من العبادات كيف ولو كان العرف مرجعا في معرفة التفصيل لما كانت حاجة الرجوع إلى الأخبار وغيرها من الأدلة الشّرعيّة في معرفة أجزاء الصلاة وغيرها وهو واضح البطلان وليس الوجه فيه إلا ما عرفت من الفرق بين الإجمال والتّفصيل والمستفاد من تلك الألفاظ ليس إلاّ الأمور المجملة وهو الّذي يستفاد من العرف ولا يعرف التفصيل إلا بالرّجوع إلى الأدلة وهذا كلّه واضح بناء على القول بوضعها للصّحيحة وأما القائل بوضعها للأعم فيذهب إلى تعيين المعنى بحسب العرف المتشرّعة على التفصيل ولذا يذهب إلى جريان الأصل في كلّما شكّ في جزئيّته أو شرطيّته بعد إحراز ما يصدق معه الاسم في العرف فمحصّل الاستدلال أنّه لو كانت تلك الألفاظ موضوعة للأعم لكان الرجوع إلى عرف المتشرعة كافيا في معرفة تفاصيل معاني العبادات المقررة في الشريعة مع أنه ليس كذلك بل لا يعرف تلك التفاصيل إلاّ بالرّجوع إلى الأدلّة التفصيلة المقرّرة في الكتب الاستدلالية والمراد من كونها توقيفيّة هو هذا المعنى وهو الفارق بين الألفاظ العبادات وغيرها حيث جعلوا الأولى توقيفية والثانية محوّلة إلى العرف كيف ولو كان الأمران ممّا محال إلى العرف لم يكن هناك فرق بينهما وكون أحدهما محالة إلى العرف العام والأخرى إلى العرف المتشرعة الّذي هو بمنزلة عرف العام بعد انتشار الإسلام لا يصحّ فارقا في المقام وسياق كلامهم يأبى عنه غاية الإباء كما لا يخفى على المتأمل فيما قررناه [ حجة الأعمي . ] حجة القائلين بكونها للأعم وجوه أحدها قضاء أمارات الحقيقة به وهو من وجوه منها التّبادر فإنّ المنساق في العرف من نفس تلك الألفاظ مع قطع النّظر عن أمور الخارجيّة ما يعمّ القسمين ولا دلالة فيها على خصوصيّة أحد الوجهين