الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

99

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

بخلاف غيرها وهذا مما ربط له في ثبوت الحقيقة الشرعية ونفيها نعم لو لم يكن للشارع ماهيات مجعولة ومعنى جديد في غير العبادات صح ما ذكره لكن ليس الحال على ذلك كما عرفت وأنت خبير بأن مقتضى الكلام المذكور خروج المعاملات عند هذا القائل من محل النزاع في الحقيقة الشرعية إذ قد عرفت أن محل النزاع هو الألفاظ المستعملة في المعاني الجديدة المقررة في الشريعة وهو حينئذ قائل بثبوتها في ذلك مطلقا إلا أنه يعتقد انتفاء ذلك في المعاملات فلذا حكم بعدم ثبوت الحقيقة الشرعية بالنسبة إليها ولو اعتقد ثبوت معان جديدة هناك لقال بثبوتها فيها أيضا بمقتضى ما نسبت إليه من الاحتجاج فهو في الحقيقة مفصل في أمر آخر غير هذه المسألة ثم لا يذهب عليك أن ما استند إليه لا ينهض دليلا على ثبوت الحقيقة الشرعية في العبادات إذ ما ذكره من كونها أمورا جعلية وماهيات جديدة متوقفة على بيان صاحب الشريعة مما لا خلاف فيه بين الفريقين ولا دلالة فيه على حصول الوضع ولذا وقع الخلاف فيه مع الاتفاق على ذلك فلا وجه لاستناده إليه إلا أن يضم إليه غيره مما مر في الاحتجاج وكان مقصود القائل من ذلك إبداء الفرق بين العبادات والمعاملات بأنه لم يقرر الشارع في المعاملات معان جديدة يوضع الألفاظ بإزائها بخلاف العبادات ثم يحتج لثبوتها فيها بما يحتج بها المثبتون لها وكيف كان فقد عرفت ما فيه وقد عرفت أيضا أن الأمر في الحقيقة الشرعية ليس متوقفا على كون الوضع فيها تعيينيا كما زعموه بل الظاهر القول بكونها تعيينيّا كما هو ظاهر كلام القوم حسبما عرفت وقد يستبعد من وقوع ذلك إذ لو وقع لصرّح به النبي صلى اللَّه عليه وآله وصعد على المنبر لإبلاغه لما يترتب عليه من الثمرة العظيمة ولو كان كذلك لما خفي على أحد من الأمة لتوفر الدواعي إلى نقله كيف ولم ينقل ذلك أحد من أرباب التواريخ ولا غيرهم ولا حكموا إيقاعها بشيء من تلك الأوضاع ويدفعه أن وقوع الوضع لا يستتبع شيئا من ذلك إذ هو تعيين قلبي لا يفتقر إلى عقد ولا إيقاع وإفهام ذلك للمخاطبين لا يتوقف على صعوده على المنبر ولا تصريح بالحال بل يحصل بالترديد بالقرائن كما هو الحال في سائر الاصطلاحات واللغات وهو ظاهر [ الكلام في الصحيح والأعم وفي تحرير محل النزاع . ] ولنتبع الكلام في المرام بمسألة أخرى تداول ذكرها بين الأعلام يناسب إيرادها في المقام وهي أن ألفاظ العبادات كالصلاة والصوم والزكاة هل هي أسام للصحيحة المستجمعة لجميع الأجزاء المعتبرة في الصحة وشرائطها أو يعمها والفاسدة قد اختلفوا في ذلك على قولين أو أقوال ولنوضح الكلام في المسألة برسم مقامات المقام الأول في بيان محل النزاع في ذلك فنقول إن النزاع في المقام إنما هو في ألفاظ العبادات مما استعملها الشارع في المعاني الجديدة المستحدثة كالصلاة والزكاة والصوم والوضوء والغسل ونحوها دون ما كان من الألفاظ العبادات مستعملة في معانيها اللغوية كالزيارة والدعاء وتلاوة القرآن ونحوها فلا ريب في وضعها في اللغة للأعم والمفروض استعمالها في المعاني اللغوية فتكون مستعملة في الأعم من الصحيحة والفاسدة نعم هناك شرائط اعتبرها الشارع في صحتها كما اعتبر نظير ذلك في المعاملات ثم إن الخلاف في أن المعاني المقررة من الشرع التي استعمل فيها تلك الألفاظ هل هي خصوص الصحيحة أو هي أعم منها ومن الفاسدة فيصح النزاع فيها من القائلين بثبوت الحقيقة الشرعية ونفاتها إذ لا كلام في استعمال تلك الألفاظ في المعاني الجديدة كما عرفت وإنما الكلام هناك في كونه على وجه الحقيقة أولا فإن قلت على هذا يكون النزاع بناء على القول بنفي الحقيقة الشرعية في المعنى المستعمل في كلام الشارع وليس ذلك قابلا للخلاف لوضوح استعمالها في كل من الصحيحة والفاسدة كصلاة الحائض وصوم الوصال وصيام العيدين ونحوها وبالجملة أن صحة استعمالها في كل من المعنيين أو وقوعه ولو على القول المذكور ليس مما يقبل التشكيك ليكون محلا للكلام وإنما القابل لوقوع النزاع فيه بناء على ثبوت الحقيقة الشرعية هو تعيين ما وضع اللفظ له سواء كان على سبيل التعيين أو التعين ومع البناء على نفيها فلا مجال للنزاع فيها إذ وضوح استعمالها في كل من الأمرين بمكان لا يحتاج إلى البيان قلت ليس النزاع في المقام في تعيين المعنى الحقيقي ليبتنى على القول بثبوت الحقيقة الشرعية ولا في مجرد ما استعمل اللفظ فيه لئلا يكون قابلا للخلاف والمنازعة بل الخلاف في أن المعاني المستحدثة من الشارع المقررة في الشريعة المستعملة فيها تلك الألفاظ المخصوصة هل هي خصوص الصحيحة أو الأعم منها ومن الفاسدة ولا ينافي ذلك استعمالها في الفاسدة أيضا لغرض من الأغراض والفرق واضح بين الأمرين وإن كان استعمالها مجازا على الوجهين فإن الأول هو الشائع في الاستعمال حتى أنها صارت حقيقة عند المتشرعة بخلاف الثاني لبقائه على المجاز في ألسنة المتشرعة إذ لا قائل باشتراكها لفظا عند المتشرعة بين الأمرين ويظهر الثمرة في ذلك فيما إذا كانت القرينة الصارفة عن إرادة المعنى اللغوي فإنه يتعين حملها على ما هو المختار في المقام من غير حاجة إلى القرينة المعينة ولا تبقى دائرة بين حملها على الأعم أو خصوص الصحيحة كما مرت الإشارة إليه فإن أبيت عن ذلك فقرر الخلاف في المقام في تعيين ما هي حقيقة فيه عند المتشرعة إذ هو المعنى المستعمل فيه عند صاحب الشريعة إذ لا مجال للإيراد المذكور فيه ومرجعه إلى ما تقدم وما في كلام بعض الأفاضل بعد حكمه بعدم ابتناء المسألة على ثبوت الحقيقة الشرعية أنه لا ريب في أن الماهيات المحدثة أمور مخترعة من الشارع ولا شك أن ما أحدثه الشارع متصف بالصحة لا غير بمعنى أنه بحيث لو أتي به على ما اخترعه الشارع يكون موجبا للامتثال للأمر بالماهية من حيث هو أمر بالماهية غير مفهوم المعنى سيما مع ذهابه إلى القول بكونها للأعم فإنه إن أراد أن الماهية المحدثة من الشارع التي استعمل الشارع فيها تلك الألفاظ متصفة بالصحة لا غير إذ لا يحدث الشارع أمرا فاسدا فهذا هو عين القول بكون تلك الألفاظ بإزاء الصحيحة مع الإشارة إلى دليله وإن أراد أن الماهيات التي أحدثها الشارع متصفة بالصحة قطعا فالشارع على القول بالأعم لم يستعمل تلك الألفاظ فيما أحدثه وإنما استعملها في شيء آخر أعم منه فهو كما ترى ومع ذلك فالعبارة لا تفي به ثم إن اعتباره الحيثية في الأمر في قوله للأمر بالماهية من حيث أنه أمر بالماهية غير مفهوم الجهة والحاصل أن الكلام في أن ما أحدثه الشارع وقرره عن تلك الطبائع الجعلية وعبر عنها بتلك الألفاظ الخاصة هل هي خصوص الصحيحة أو الأعم منها والفاسدة وإن حكمنا بأن مطلوب الشارع هو قسم منها بعد ما قام الدليل على فساد بعضها فهذا هو عين المتنازع فيه في المقام فكيف ينفي عنه الريب في بيان محل الكلام المقام الثاني