السيد محمد باقر الصدر
مقدمة 58
المعالم الجديدة للأصول ( طبع جديد )
فعلى الصعيد الفقهي تمثّل ردّ الفعل في قيام المذهب الظاهري على يد داود ابن عليّ بن خلف الأصبهاني في أواسط القرن الثالث ، إذ كان يدعو إلى العمل بظاهر الكتاب والسنّة ، والاقتصار على البيان الشرعي ، ويشجب الرجوع إلى العقل . وانعكس ردّ الفعل على البحوث العقائدية والكلامية متمثّلًا في الاتّجاه الأشعري الذي عطّل العقل وزعم أنّه ساقط بالمرّة عن إصدار الحكم حتى في المجال العقائدي . فبينما كان المقرّر عادةً بين العلماء : أنّ وجوب المعرفة باللَّه والشريعة ليس حكماً شرعياً ، وإنّما هو حكم عقلي ؛ لأنّ الحكم الشرعي ليس له قوة دفعٍ وتأثير في حياة الإنسان إلّا بعد أن يعرف الإنسان ربّه وشريعته ، فيجب أن تكون القوة الدافعة إلى معرفة ذلك من نوعٍ آخر غير نوع الحكم الشرعي ، أي أن تكون من نوع الحكم العقلي ، أقول : بينما كان هذا هو المقرّر عادةً بين المتكلّمين خالف في ذلك الأشعري ، إذ عزل العقل عن صلاحية إصدار أيِّ حكم ، وأكّد أنّ وجوب المعرفة باللَّه حكم شرعي كوجوب الصوم والصلاة . وامتدَّ ردّ الفعل إلى علم الأخلاق - وكان وقتئذٍ يعيش في كنف علم الكلام - فأنكر الأشاعرة قدرة العقل على تمييز الحُسن من الأفعال عن قبيحها حتّى في أوضح الأفعال حُسناً أو قبحاً ، فالظلم والعدل لا يمكن للعقل أن يميز بينهما ، وإنّما صار الأول قبيحاً والثاني حسناً بالبيان الشرعي ، ولو جاء البيان الشرعي يستحسن الظلم ويستقبح العدل لم يكن للعقل أيّ حقٍّ للاعتراض على ذلك . وردود الفعل هذه كانت تشتمل على نكسةٍ وخطرٍ كبيرٍ قد لا يقلّ عن الخطر الذي كان الاتّجاه العقلي المتطرّف يستبطنه ؛ لأنّها اتّجهت إلى القضاء على العقل بشكلٍ مطلق ، وتجريده عن كثيرٍ من صلاحياته ، وإيقاف النموّ العقلي في الذهنية الإسلامية بحجّة التعبّد بنصوص الشارع والحرص على الكتاب والسنّة . ولهذا