السيد محمد باقر الصدر

مقدمة 241

المعالم الجديدة للأصول ( طبع جديد )

التعارض بين الأصول ويواجهنا بعد دراسة الأصول العملية السؤال التالي : ما ذا يصنع الفقيه إذا اختلف حكم الاستصحاب عن حكم أصل البراءة ؟ ومثاله : أنّا نعلم بوجوب الصوم عند طلوع الفجر من نهار شهر رمضان حتّى غروب الشمس ، ونشكّ في بقاء الوجوب بعد الغروب إلى غياب الحمرة ، ففي هذه الحالة تتوفّر أركان الاستصحاب من اليقين بالوجوب أوّلًا ، والشكّ في بقائه ثانياً ، وبحكم الاستصحاب يتعيّن الالتزام عملياً ببقاء الوجوب . ومن ناحيةٍ أخرى نلاحظ أنّ الحالة تندرج ضمن نطاق أصل البراءة ؛ لأنّها شبهة بدوية في التكليف غير مقترنةٍ بالعلم الإجمالي ، وأصل البراءة ينفي وجوب الاحتياط ويرفع عنّا الوجوب عملياً ، فبأيّ الأصلين نأخذ ؟ والجواب : أنّا نأخذ بالاستصحاب ونقدِّمه على أصل البراءة ، وهذا متّفق عليه بين الاصوليّين ، والرأي السائد بينهم لتبرير ذلك : أنّ دليل الاستصحاب حاكم على دليل أصل البراءة ؛ لأنّ دليل أصل البراءة هو النصّ النبويّ القائل : « رفع ما لا يعلمون » « 1 » ، وموضوعه كلّ ما لا يعلم ، ودليل الاستصحاب هو النصّ القائل : « لا ينقض اليقين أبداً بالشك » « 2 » ، وبالتدقيق في النصّين نلاحظ أنّ دليل الاستصحاب يلغي الشكّ ويفترض كأنَّ اليقين باقٍ على حاله ، فيرفع بذلك

--> ( 1 ) الخصال 2 : 245 ، باب التسعة . ووسائل الشيعة 15 : 369 ، الباب 56 من أبواب جهاد النفس ، الحديث الأوّل ( 2 ) وسائل الشيعة 1 : 245 ، الباب 1 من أبواب نواقض الوضوء ، الحديث الأوّل