السيد محمد باقر الصدر
مقدمة 185
المعالم الجديدة للأصول ( طبع جديد )
الفصل الأول في العلاقات القائمة بين نفس الأحكام علاقة التضادّ بين الوجوب والحرمة : من المعترف به في علم الأصول أنّه ليس من المستحيل أن يأتي المكلَّف بفعلين في وقتٍ واحدٍ أحدهما واجب والآخر حرام ، فيعتبر مطيعاً من ناحية إتيانه بالواجب وجديراً بالثواب ، ويعتبر عاصياً من ناحية إتيانه للحرام ومستحقّاً للعقاب . فشرب الماء النجس - مثلًا - حرام ، ودفع الزكاة إلى الفقير واجب ، فلو أنّ إنساناً حمل الماء النجس بإحدى يديه وشربه وأعطى باليد الأخرى في نفس الوقت زكاته للفقير فقد عصى وامتثل ، وأتى بالحرام والواجب في وقتٍ واحد . وأمّا الفعل الواحد فلا يمكن أن يتّصف بالوجوب والحرمة معاً ؛ لأنّ العلاقة بين الوجوب والحرمة هي علاقة تضادٍّ ولا يمكن اجتماعهما في فعلٍ واحد ، كما لا يمكن أن يجتمع السواد والبياض في جسمٍ واحد ، فدفع الزكاة إلى الفقير لا يمكن أن يكون - وهو واجب - حراماً في نفس الوقت ، وشرب النجس لا يمكن أن يكون - وهو حرام - واجباً في نفس الوقت . وهكذا يتّضح : أوّلًا : أنّ الفعلين المتعدّدين - كدفع الزكاة وشرب النجس - يمكن أن يتّصف أحدهما بالوجوب والآخر بالحرمة ولو أوجدهما المكلَّف في زمانٍ واحد . وثانياً : أنّ الفعل الواحد لا يمكن أن يتّصف بالوجوب والحرمة معاً . والنقطة الرئيسية في هذا البحث عند الاصوليّين هي : أنّ الفعل قد يكون واحداً بالذات والوجود ومتعدّداً بالوصف والعنوان ، وعندئذٍ فهل يلحق بالفعل