السيد محمد باقر الصدر

مقدمة 176

المعالم الجديدة للأصول ( طبع جديد )

العلم تطبيقاً للقاعدة العامة القائلة بحجّية الظهور . وقد نجد في سائر أجزاء الكلام ما لا يتّفق مع ظهور كلمة « البحر » ، ومثاله أن يقول الآمر : « اذهب إلى البحر في كلّ يومٍ واستمع إلى حديثه باهتمام » فإنّ الاستماع إلى حديث البحر لا يتّفق مع المعنى اللغوي الأقرب إلى كلمة « البحر » ؛ لأنّ البحر من الماء لا يستمع إلى حديثه ، وإنّما يستمع إلى حديث البحر من العلم ، أي العالم الذي يشابه البحر لغزارة علمه ، وفي هذه الحالة نجد أنفسنا نتساءل : ما ذا أراد المتكلّم بكلمة « البحر » ؟ هل أراد بها البحر من العلم بدليل أنّه أمرنا بالاستماع إلى حديثه ، أو أراد بها البحر من الماء ولم يقصد بالحديث هنا المعنى الحقيقي ، بل أراد به الإصغاء إلى صوت أمواج البحر ؟ وهكذا نظل متردِّدين بين كلمة « البحر » وظهورها اللغوي من ناحية ، وكلمة « الحديث » وظهورها اللغوي من ناحيةٍ أخرى ، ومعنى هذا أنّا نتردّد بين صورتين : إحداهما صورة الذهاب إلى بحرٍ من الماء المتموِّج والاستماع إلى صوت مَوجه ، وهذه الصورة هي التي توحي بها كلمة « البحر » . والأخرى صورة الذهاب إلى عالمٍ غزير العلم والاستماع إلى كلامه ، وهذه الصورة هي التي توحي بها كلمة « الحديث » . وفي هذا المجال يجب أن نلاحظ السياق جميعاً ككلٍّ ونرى أيَّ هاتين الصورتين أقرب إليه في النظام اللغوي العام ؟ أي أنّ هذا السياق إذا القي على ذهن شخصٍ يعيش اللغة ونظامها بصورةٍ صحيحةٍ هل سوف تسبق إلى ذهنه الصورة الأولى أو الصورة الثانية ؟ فإن عرفنا أنّ إحدى الصورتين أقرب إلى السياق بموجب النظام اللغوي العام - ولنفرضها الصورة الثانية - تكوَّن للسياق ككلٍّ ظهور في الصورة الثانية ووجب أن نفسِّر الكلام على أساس تلك الصورة الظاهرة .