السيد محمد باقر الصدر
مقدمة 165
المعالم الجديدة للأصول ( طبع جديد )
نفهم هذا القول بصورةٍ مماثلةٍ لفهمنا القول بأنّ صيغة الأمر تدلّ على الوجوب ، فإنّ النهي يشكِّل جملةً مفيدةً ويشتمل لأجل ذلك على نسبةٍ تامة ، وتعتبر الجملة التي يشكِّلها جملةً إنشائيةً لا إخبارية ، فأنت حين تقول : « لا تذهب » لا تريد أن تخبر عن عدم الذهاب ، وإنّما تريد أن تمنع المخاطب عن الذهاب وتمسكه عن ذلك ، فصيغة الأمر والنهي متّفقتان في كلّ هذا ، ولكنّهما تختلفان في الإرسال والإمساك ؛ لأنّ صيغة الأمر تدلّ على نسبةٍ إرساليةٍ كما سبق ، وأمّا صيغة النهي فتدلّ على نسبةٍ إمساكية ، أي أنّا حين نسمع جملة « اذهب » نتصور نسبةً بين الذهاب والمخاطب ، ونتصور أنّ المتكلِّم يرسل المخاطب نحوها ويبعثه إلى تحقيقها كما يرسل الصياد كلبه نحو الفريسة ، وأمّا حين نسمع جملة « لا تذهب » فنتصور نسبةً بين الذهاب والمخاطب ، ونتصور أنّ المتكلِّم يمسك مخاطبه عن تلك النسبة ويزجره عنها ، كما لو حاول كلب الصيد أن يطارد الفريسة فأمسك به الصياد ، ولهذا نطلق عليها اسم « النسبة الإمساكية » . وتدخل الحرمة في مدلول النهي بالطريقة التي دخل بها الوجوب إلى مدلول الأمر ، ولنرجع بهذا الصدد إلى مثال الصياد ، فإنّا نجد أنّ الصياد حين يمسك كلبه عن تتبّع الفريسة قد يكون إمساكه هذا ناتجاً عن كراهة تتبّع الكلب للفريسة بدرجةٍ شديدة ، وقد ينتج عن كراهة ذلك بدرجةٍ ضعيفة . ونظير هذا تماماً نتصوره في النسبة الإمساكية التي نتحدّث عنها ، فإنّا قد نتصورها ناتجةً عن كراهةٍ شديدةٍ للمنهيِّ عنه ، وقد نتصورها ناتجةً عن كراهةٍ ضعيفة . ومعنى القول بأنّ صيغة النهي تدلّ على الحرمة في هذا الضوء : أنّ الصيغة موضوعة للنسبة الإمساكية بوصفها ناتجةً عن كراهةٍ شديدةٍ وهي الحرمة ، فتدخل الحرمة ضمن الصورة التي نتصور بها المعنى اللغوي لصيغة النهي عند سماعها . وفي نفس الوقت قد تستعمل صيغة النهي في موارد الكراهة فُينهى عن