السيد محمد باقر الصدر
مقدمة 154
المعالم الجديدة للأصول ( طبع جديد )
الدلالة لأجل ذلك « دلالة تصورية » . ولكنّا إذا قارنّا بين تلك الحالات وجدنا أنّ الجملة حين تصدر من نائمٍ أو تنتج نتيجةً عن احتكاكٍ بين حجرين لا يوجد لها إلّا مدلولها اللغوي ذاك ، ويقتصر مفعولها على إيجاد تصوراتٍ للحقّ والانتصار والنسبة التامة في ذهننا . وأمّا حين نسمع الجملة من متحدِّثٍ واعٍ فلا تقف الدلالة عند مستوى التصور ، بل تتعدّاه إلى مستوى التصديق ، إذ تكشف الجملة عندئذٍ عن أشياء نفيسةٍ في نفس المتكلِّم ، فنحن نستدلّ عن طريق صدور الجملة منه على وجود إرادةٍ استعماليةٍ في نفسه ، أي أنّه يريد أن يخطر المعنى اللغوي لكلمة « الحقّ » وكلمة « المنتصر » وهيئة الجملة في أذهاننا ، وأن نتصور هذه المعاني . كما نعرف أيضاً أنّ المتكلِّم إنّما يريد منّا أن نتصور تلك المعاني لا لكي يخلق تصوراتٍ مجرّدةً في ذهننا فحسب ، بل لغرضٍ في نفسه ، وهذا الغرض الأساسي هو في المثال المتقدم - أي في جملة « الحقّ منتصر » - غرض الإخبار عن ثبوت الخبر للمبتدأ ، فإنّ المتكلِّم إنّما يريد منّا أن نتصور معاني الجملة لأجل أن يخبرنا عن ثبوتها في الواقع ، ويطلق على الغرض الأساسي في نفس المتكلِّم اسم « الإرادة الجدّية » . وتسمّى الدلالة على هذين الأمرين - الإرادة الاستعمالية والإرادة الجدّية - « دلالة تصديقية » ؛ لأنّها دلالة تكشف عن إرادة المتكلِّم وتدعو إلى تصديقنا بها ، لا إلى مجرّد التصور الساذج . كما نسمّيها أيضاً ب « الدلالة النفسية » ؛ لأنّ المدلول هنا نفسيّ وهو إرادة المتكلِّم . وهكذا نعرف أنّ الجملة التامة لها - إضافةً إلى مدلولها التصوري اللغوي - مدلولان نفسيّان : أحدهما : الإرادة الاستعمالية ، إذ نعرف عن طريق صدور الجملة من