السيد محمد باقر الصدر

مقدمة 142

المعالم الجديدة للأصول ( طبع جديد )

إلى درجةٍ ما العلاقة التي نشاهدها في حياتنا الاعتيادية بين النار والحرارة ، أو بين طلوع الشمس والضوء ، فكما أنّ النار تؤدّي إلى الحرارة وطلوع الشمس يؤدّي إلى الضوء كذلك تصور اللفظ يؤدّي إلى تصور المعنى ، ولأجل هذا يمكن القول بأنّ تصور اللفظ سبب لتصور المعنى ، كما تكون النار سبباً للحرارة ، وطلوع الشمس سبباً للضوء ، غير أنّ علاقة السببية بين تصور اللفظ والمعنى مجالها الذهن ؛ لأنّ تصور اللفظ والمعنى إنّما يوجد في الذهن ، وعلاقة السببية بين النار والحرارة أو بين طلوع الشمس والضوء مجالها العالم الخارجي . والسؤال الأساسي بشأن هذه العلاقة التي توجد في اللغة بين اللفظ والمعنى هو السؤال عن مصدر هذه العلاقة وكيفية تكوّنها ، فكيف تكوَّنت علاقة السببية بين اللفظ والمعنى ؟ وكيف أصبح تصور اللفظ سبباً لتصور المعنى مع أنّ اللفظ والمعنى شيئان مختلفان كلّ الاختلاف ؟ ويذكر في علم الأصول عادةً اتّجاهان في الجواب على هذا السؤال الأساسي : يقوم الاتّجاه الأول على أساس الاعتقاد بأنّ علاقة اللفظ بالمعنى نابعة من طبيعة اللفظ ذاته ، كما نبعت علاقة النار بالحرارة من طبيعة النار ذاتها ، فلفظ « الماء » - مثلًا - له بحكم طبيعته علاقة بالمعنى الخاصّ الذي نفهمه منه ، ولأجل هذا يؤكّد هذا الاتّجاه أنّ دلالة اللفظ على المعنى ذاتية ، وليست مكتسبةً من أيّ سببٍ خارجي . ويعجز هذا الاتّجاه عن تفسير الموقف تفسيراً شاملًا ؛ لأنّ دلالة اللفظ على المعنى وعلاقته به إذا كانت ذاتيةً وغير نابعةٍ من أيّ سببٍ خارجيٍّ ، وكان اللفظ بطبيعته يدفع الذهن البشري إلى تصور معناه فلما ذا يعجز غير العربي عن الانتقال إلى تصور معنى كلمة « الماء » عند تصوره للكلمة ؟ ولما ذا يحتاج إلى تعلّم اللغة