السيد محمد باقر الصدر
مقدمة 131
المعالم الجديدة للأصول ( طبع جديد )
فللمولى أن يعاقبه ويحتجّ عليه بقطعه ، كما إذا قطع العبد بأنّ الشراب الذي أمامه خمر ، فشربه وكان خمراً في الواقع فإنّ من حقّ المولى أن يعاقبه على مخالفته ؛ لأنّ العبد كان على علمٍ بحرمة الخمر وشربه فلا يعذر في ذلك ، وهذا هو الجانب الثاني من حجّية العلم ، ويسمّى بجانب المنجّزية . وبديهيّ أنّ حجّية العلم بهذا المعنى الذي شرحناه لا يمكن أن تستغني عنه أيّ عمليةٍ من عمليات استنباط الحكم الشرعي ؛ لأنّ الفقيه يخرج من عملية الاستنباط دائماً بنتيجة ، وهي العلم بالموقف العملي تجاه الشريعة وتحديده على أساس الدليل ، أو على أساس الأصل العملي . ولكي تكون هذه النتيجة ذات أثرٍ لا بدّ من الاعتراف مسبقاً بحجّية العلم ، إذ لو لم يكن العلم حجّةً ولم يكن صالحاً للاحتجاج به من المولى على عبده ومن العبد على مولاه لكانت النتيجة التي خرج بها الفقيه من عملية الاستنباط لغواً ؛ لأنّ علمه ليس حجّة ، ففي كلّ عملية استنباطٍ لا بدّ إذن أن يدخل عنصر حجّية العلم ؛ لكي تعطي العملية ثمارها ويخرج منها الفقيه بنتيجةٍ إيجابية . وبهذا أصبحت حجّية العلم أعمَّ العناصر الأصولية المشتركة وأوسعها نطاقاً . وليست حجّية العلم عنصراً مشتركاً في عمليات استنباط الفقيه للحكم الشرعي فحسب ، بل هي في الواقع شرط أساسي في دراسة الأصولي للعناصر المشتركة نفسها أيضاً ، فنحن حينما ندرس - مثلًا - مسألة حجّية الخبر أو حجّية الظهور العرفي إنّما نحاول بذلك تحصيل العلم بواقع الحال في تلك المسألة ، فإذا لم يكن العلم حجّةً ، فأيُّ جدوى في دراسة حجّية الخبر والظهور العرفي ؟ ! فالفقيه والأصولي يستهدفان معاً من بحوثهما تحصيل العلم بالنتيجة الفقهية « تحديد الموقف العملي تجاه الشريعة » ، أو الأصولية « العنصر المشترك » ، فبدون الاعتراف المسبق بحجّية العلم تصبح بحوثهما عبثاً لا طائل تحته . وحجّية العلم ثابتة بحكم العقل ، فإنّ العقل يحكم بأنّ للمولى سبحانه حقَّ