السيد محمد باقر الصدر
مقدمة 103
المعالم الجديدة للأصول ( طبع جديد )
الاستنباط ، فقد كان في فقهاء الشيعة منذ العصور الأولى علماء أخباريون يمثّلون المرحلة البدائية من التفكير الفقهي ، وهؤلاء هم الذين تحدّث عنهم الشيخ الطوسي في كتاب المبسوط « 1 » ، وعن ضيق أفقهم ، واقتصارهم في بحوثهم الفقهية على أصول المسائل ، وانصرافهم عن التفريع والتوسّع في التطبيق . وفي النقطة المقابلة لهم الفقهاء الأصوليون الذين يفكّرون بذهنيةٍ اصوليةٍ ويمارسون التفريع الفقهي في نطاقٍ واسع . فالأخبارية القديمة إذن تعبِّر عن مستوى من مستويات الفكر الفقهي ، لا عن مذهبٍ من مذاهبه . وهذا ما أكّده المحقّق الجليل الشيخ محمد تقي - المتوفّى سنة 1248 ه - في تعليقته الضخمة على المعالم ، إذ كتب بهذا الشأن يقول : « فإن قلت : إنّ علماء الشيعة كانوا من قديم الزمان على صنفين : أخباري وأصولي ، كما أشار إليه العلّامة في النهاية وغيره . قلت : إنّه وإن كان المتقدِّمون من علمائنا على صنفين وكان فيهم أخبارية إلّا أنّه لم تكن طريقتهم ما زعمه هؤلاء ، بل لم يكن الاختلاف بينهم وبين الأصولية إلّا في سعة الباع في التفريعات الفقهية ، وقوة النظر إلى القواعد الكلّية والاقتدار على تفريع الفروع عليها ، فقد كانت طائفة منهم أرباب النصوص ورواة الأخبار ، ولم تكن طريقتهم التعدّي عن مضامين الروايات وموارد النصوص ، بل كانوا يفتون غالباً على طبق ما يروون ويحكمون على وفق متون الأخبار ، ولم يكن كثير منهم من أهل النظر والتعمّق في المسائل العلمية . . . ، وهؤلاء لا يتعرّضون غالباً للفروع غير المنصوصة ، وهم المعروفون بالأخبارية . وطائفة منهم أرباب النظر والبحث عن المسائل ، وأصحاب التحقيق والتدقيق في استعلام الأحكام من
--> ( 1 ) المبسوط 1 : 1 - 2