المحقق الحلي
34
معارج الأصول ( طبع جديد )
عن سوقهم . دلّت ألفاظه الكريمة على استدعاء ما يكون تذكرة لأهل الوداد ، وعهدا يجدّد به ما أخلقته يد العباد . فعند ذلك أحببت أن أدخل فيمن سارع إلى امتثال أوامره ، لأكون في جملة من شرّفه بذكره ، وتخطّره بخواطره ، فأقول : إنّ الشعر من أفضل مشاعر الأدب ، وأجمل مفاخر العرب ، به تستماح المكارم ، وتستعطف الطباع الغواشم ، وتشحذ الأذهان ، وتستلّ الأضغان ، ويستصلح الرأي الفاسد ، وتستثار الهمم الجوامد ، لكنّه عسر المطلب ، خطر المركب ، لافتقاره إلى أمور غريزية ، وأخرى كسبيّة ، وهي شديدة الامتناع ، بعيدة الاجتماع ، فالمعتذر عن التعرّض له معذور ، والمعترف بالقصور عنه مشكور . وقد كنت زمن الحداثة أتعرّض لشيء منه ليس بالمرضي ، فكتبت أبياتا إلى والدي رحمه اللّه ، اثني فيها على نفسي ، بجهل الصبوة ، وهي : ليهنك أنّي كلّ يوم إلى العلى * اقدّم رجلا لا تزلّ بها النعل وغير بعيد أن تراني مقدّما * على الناس طرّا ليس في الناس لي مثل تطاوعني بكر المعاني وعونها * وتنقاد لي حتّى كأنّي لها بعل ويشهد لي بالفضل كلّ مبرّز * ولا فاضل إلّا ولي فوقه فضل فكتب رحمه اللّه فوق هذه الأبيات ما صورته : لئن أحسنت في شعرك ، لقد أسأت في حقّ نفسك ، أمّا علمت أنّ الشعر صناعة من خلع العفّة ، ولبس الحرفة ، والشاعر ملعون وإن أصاب ، ومنقوص وإن أتى بالشيء العجاب ،