الشيخ الأنصاري

493

مطارح الأنظار ( ط . ج )

المقام الثالث في أنّه هل يجوز المخالفة القطعية ، أو لا ؟ فنقول : إنّ قضية الأدلّة القائلة بعدم وجوب الموافقة القطعية لا تزيد على مدلولها المذكور سيّما فيما لو كان مقصودا ابتداء فإنّ منها الأدلّة النافية للعسر ، وظاهر عدم انتهاضها على ارتكاب جميع أطراف الشبهة . وأمّا الأخبار ، فالعامّة منها كقوله : « كلّ شيء يكون فيه حلال » « 1 » لا دلالة فيها على جواز المخالفة كما عرفت في الشبهة المحصورة لعدم مقاومتها لأدلّة « 2 » الواقع ، فإنّ العمدة في المقام كما عرفت في بعض الأمور المتقدّمة هو عدم وقوع تمام أطراف الشبهة في محلّ الابتلاء ، ولذلك يصير الدليل الدالّ على الحرمة مقيّدا لئلّا يلزم الاستنكار العرفي ، وأمّا في محلّ الابتلاء ينجّز التكليف بالواقع ولا يجوز المخالفة . وأمّا الأخبار الخاصّة كخبر أبي الجارود « 3 » ، فالظاهر أنّ دلالتها على جواز المخالفة ظاهرة . وأمّا الإجماع ، فالحقّ عدم دلالته بوجه على جواز المخالفة فإنّ المجمعين على ما يظهر من مساق كلامهم في مقام بيان عدم وجوب الاجتناب كما في الشبهة المحصورة ، وأمّا جواز المخالفة فغير ظاهر كلامهم فيه ، ويرشدك إلى هذا عدم تعرّضهم لبيان الأحكام الوضعية المترتّبة على جواز المخالفة عند دعوى الإجماع على عدم لزوم الاجتناب من لزوم التطهير فيما إذا اشتمل على نجس ونحوه ، مع أنّ من المناسب ذكره في مثل المقام كما لا يخفى . وأمّا العقل ، فهو يفصّل بين أن يكون بانيا على ارتكاب الجميع ابتداء فيحكم بعدم الجواز ، وبين ما يلزم منه المخالفة من غير قصد إلى ارتكاب الكلّ ، فلا يبالي بالمخالفة .

--> ( 1 ) . تقدّم في ص 359 . ( 2 ) . « ج » : للأدلّة ! ( 3 ) . تقدّم في ص 465 .