الشيخ الأنصاري
70
مطارح الأنظار ( ط . ج )
فإن قلت : إذا كان التأكيد معقولا فلا مانع من احتماله في المحلّ القابل أيضا ، فعلى المستدلّ رفع ذلك الاحتمال بالدليل . قلت : إنّ ملاحظة الأسباب العقليّة رافعة لهذا الاحتمال ، فإنّه إذا فرضنا سببيّة كلّيّ لكلّيّ آخر قابل للتعدّد لا يعقل التأكيد ، إذ على تقديره لا دليل على وجود الأفراد المتعدّدة ، مع أنّه مشاهد بالعيان في الأسباب العقليّة . فظهر أنّ المانع إنّما هو اعتبار وحدة المحلّ سواء كانت الوحدة شخصيّة أو نوعيّة . والحاصل أنّ السبب الأوّل يقتضي اشتغال ذمّة المكلّف بإيجاد الطبيعة المهملة ، والمفروض مماثلة السبب الثاني للأوّل في التأثير والمسبّب ، فيقتضي اشتغال الذمّة تارة أخرى ، كما في الأسباب العقليّة . نعم ، ما ذكره يتمّ في الأوامر الابتدائيّة مع قبول المحلّ أيضا ، لأنّ مجرّد القابليّة غير قاضية بالتعدّد ، بل إنّما يحتاج إلى ما يقتضيه ، والاشتغال الحاصل بالأمر الثاني فيها لا نسلّم مغايرته للأمر الأوّل حتّى يكون مقتضيا للتعدّد ، لاحتمال التأكيد الموافق لظاهر الأمر بالطبيعة ، كما أشرنا إليه سابقا . هذا إن أريد من التأكيد المحتمل في المقام تأكيد مرتبة الطلب والوجوب وإن كان حصوله بواسطة لحوق جهة مغايرة للجهة الأولى ، كما في التأكيد الحاصل بالتحريم للإفطار في نهار رمضان من جهتين . وإن أريد التأكيد نحو الحاصل في الأوامر المتعدّدة الابتدائيّة كالأوامر المتعلّقة بالصلاة في الكتاب والسنّة ، ففساده أظهر من أن يخفى وإن كان يوهمه بعض عباراتهم ويتعاطونه طلبة عصرنا ، فإنّ الأمر الثاني مرتّب على الأمر الأوّل ووارد في مورده في التأكيدات ، كما هو ظاهر . وذلك بخلاف ما نحن فيه ضرورة حصول الاشتغال والوجوب على وجه التعدّد قبل وجود السبب بنفس الكلام