الشيخ الأنصاري

629

مطارح الأنظار ( ط . ج )

فإن قلت : سلّمنا أنّ البقاء على التقليد تقليد ، وأنّ استمرار الأخذ أخذ ، لكن ندّعي أنّ القول ليس قول الميّت ، بل الحيّ ، فإنّ صدور القول عنه لمّا كان في حال الحياة فلا جرم من كونه منتسبا إلى الحيّ ؛ إذ الميّت ليس بقائل بصدور شيء عنه . قلنا : فلا معنى حينئذ لقولهم : لا يجوز العمل بقول الميّت حتى في الابتداء ؛ لأنّ القول ينحصر على هذا التقدير في قول الحي . وأيضا ، لا وجه حينئذ لمنع شمول أدلّة التقليد لتقليد الميّت ابتداء ؛ فإنّ الأخذ بقول الميّت حقيقة أخذ بقول الحي مع أنّ المفصّلين معترفون بعدم الشمول . والحاصل : هذا كلّه في دلالة الإجماعات وأمّا اعتبارها وحجّيتها في المقام ، فقد ظهر ما يدلّ عليه بما لا مزيد عليه : من أنّ هذه الإجماعات الشاهد على صدقها التتبع واعتراف أمثال الشهيد : بأنّه لا قائل من أصحابنا السابقين بجواز تقليد الميّت ، يوجب الكشف القطعي إمّا بدليل دلّ على دعوى واحد من المعتبرين الإجماع في المسألة ، فكيف عن هذه الإجماعات المستفيضة . ومنها : السيرة فإنّ جريان عادة السلف والخلف على بقاء تقليد المجتهدين بعد موتهم أمر معلوم لا ينبغي أن ينكر وإلّا لوصل إلينا العدول لتوفّر الدواعي من كثرة ابتلاء الناس بموت المجتهدين ، ولم يعهد إلى الآن من أهالي أعصار الأئمة العدول إلى تقليد الحي بعد موت المجتهد . وفيه من المنع ما ترى ، لأنّ الناس في زمن الأئمة كانوا بين أصناف ثلاثة : فمنهم من كان يأخذ معالم دينه من الإمام بلا واسطة . ومنهم من كان يأخذ بروايات الموثّقين من أصحابهم وبفتاويهم التي هي بمنزلة الرواية ويجتهد فيها . ومنهم من كان يأخذ منهم الفتوى ويعمل بها تعبّدا .