الشيخ الأنصاري
577
مطارح الأنظار ( ط . ج )
الحيوانية حتى القوى الدرّاكة انعدم تلك القوّة أيضا ؛ ولذا ترى أنّ الهرم وزيادة الطعن في السنّ يذهب بالسامعة والباصرة والمدركة وغيرها من القوى ، بحيث لا يبصر ولا يسمع ولا يفهم شيئا ، كما أخبر اللّه تعالى به في محكم كتابه : . . . وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً . . . « 1 » . واستدلّ المولى البهبهاني رحمه اللّه « 2 » على زوال الظن - فيما حكي عنه - : أوّلا : بالبداهة . وثانيا : بأنّ الظنّ إنّما هو الصورة الحاصلة في ذهنه ، فحين الشدّة والاضطراب حالة النزع لا تبقى تلك الصورة قط ، بل وحين النسيان والغفلة أيضا ، فما ظنّك بما بعد الموت حيث صار الذهن جمادا لا حسّ فيه . وهذا الاستدلال مبنيّ على كون الظنّ جزءا من الأجزاء البدنيّة . وهو غير واضح وإنّما الذي نتعقله ويساعد عليه الوجدان ، بل البرهان أيضا ، هو الذي ذكرنا : من كونه قوّة من قوى الحيوان الناطق يدرك بها الأشياء النظرية ، وبه قوامها وتعيّنها بالحياة ، وبقاء تركيب الأخلاط الأربعة في هذا البدن . ووجه ذلك ، أنّه قد تقرّر : أنّ لكلّ خلط من الأخلاط الأربعة أثر في النفس الناطقة ، مثل أنّ أثر الصفراء هو الإدراك وسرعة الانتقال وجودة الذهن ، وأثر البلغم هو البلادة وسوء الفهم وبطء الانتقال ، وأثر الدم هو الشهوة والغضب وهكذا . . . ولا ريب أنّ هذه الآثار إنّما تظهر من الأخلاط الأربعة في حال الحياة ، فإنّ الموت عبارة عن فناء هذه الأخلاط كلّها في البدن وتجرّد النفس وخروجها عن الجسمانيات .
--> ( 1 ) النحل : 70 . ( 2 ) حكاه السيّد المجاهد في مفاتيح الأصول : 620 ، وانظر الرسائل الفقهية : 15 .