الشيخ الأنصاري
450
مطارح الأنظار ( ط . ج )
الحاصل حال الحياة بشرط بقائها ، فإنّ الوجه في المنع هو عدم العلم بالجواز فيما عدا الظنّ الحاصل في زمان الحياة ، بل ولو فرض بقاء الظنّ بعينه بعد الموت ما كنّا نقول بجواز اتّباعه كما عرفت في تقرير الأصل . ثم إنّه ربما يستدلّ أيضا على ارتفاع الظنّ بعد الموت : بأنّ الإدراك إنّما هو من مقتضيات الصفراء ، وبعد الموت ترتفع جميع الأخلاط . وهو على تقدير تسليمه لا يقضي بارتفاع الإدراك الحاصل وإنّما يقضي بعدم حصوله بعد ارتفاع ما يقضي به . وقد يدّعى بداهة عدم بقاء الظنّ وزواله بعد الموت كما هو الظاهر من الوحيد البهبهاني رحمه اللّه « 1 » . ولعلّ مراده : أنّ من المشاهد المحسوس صيرورة العالم عاميا بعد اندراس علومه وانطماس ملكته بواسطة الهرم والكبر الموجبين لضعف القوى الحيوانيّة سواء كانت من القوى الإدراكيّة أو غيرها ، فكلّما يتزايد الهرم فيه يزداد الضعف في قواه إلى أن يصل إلى حدّ لا يقدر على الكسب ، ثم يزداد إلى أن يصل إلى حدّ لا يقدر على حفظ مدركاته في السابق ، وكلّ ذلك بواسطة اختلال يقع في البدن ، ويرشد إلى ذلك قوله تعالى : وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً « 2 » فلو لا أنّ القوى الجسمانيّة التي ترتفع بعد الموت قطعا لها مدخل في الصور العلميّة حدوثا وبقاء لا معنى لزوال تلك الصورة بعد حدوث الضعف في تلك القوى . وتوضح ذلك ملاحظة حال من اختلّ دماغه بواسطة حدوث حادثة في هامّته كالضرب الشديد مثلا ، فإنّه يختلّ إدراكه ومدركاته أيضا .
--> ( 1 ) انظر الرسائل الفقهية : 9 - 10 . ( 2 ) النحل : 70 .