الشيخ الأنصاري
433
مطارح الأنظار ( ط . ج )
يستريب فيه العاقل فضلا عن الفاضل . وأمّا المنقولة معنى فهي وإن كانت مفاد اللفظ الصادر عن الإمام عليه السّلام لكنّه بشرط العلم أو الظنّ المعتبر بمساواة الألفاظ في الأصل والمنقول في الإفادة ، ولا يجوز التعويل في النقل على أمر قد اعتقده اجتهادا ، والملحوظ فيه إنّما هو بيان المراد من حديث واحد . إلى غير ذلك . وأمّا الفتوى فهي عبارة عن الإخبار بأحكام اللّه بحسب الاعتقاد ، ومنشأ الاعتقاد إنّما يكون الخبر تارة وغيره تارة أخرى ، فيجوز الفتوى عند توقّفها على إعمال الظنون الاجتهاديّة في الأحاديث الواصلة إلى المجتهد والأخذ بمجامعها وحمل بعضها على بعض . إلى غير ذلك من الاختلافات التي يطّلع بها الخبير المتتبّع بين الفتوى والنقل للرواية معنى . ومن هنا منع من الفتوى بعض من لم يمنع من الرواية معنى ، بل لعلّ النقل بالمعنى ممّا لم يقل بالمنع منه أحد من أصحابنا ، فإنّ المخالف في هذه المسألة أبو بكر الرازي وأتباعه « 1 » . بخلاف الفتوى ، فإنّ الأخباريّة بأجمعهم على المنع من الإفتاء ، فإنّه فرع الاجتهاد وهم ليسوا من أصحاب الاجتهاد كما هو المعروف من طريقهم . وكلمات جملة منهم ممّن اطلعنا عليها صريحة فيما ذكرنا ، فما يجوز عندهم من الفتوى عبارة عن نقل الحديث بالمعنى ، وما ليس كذلك فلا يجوّزونه ويلحقونه بالقول بالقياس والاستحسان ، ويعتقدون أنّ أرباب الفتاوى - بالمعنى الذي ذكرنا - خرجوا بذلك عمّا هو المأخوذ عن الأئمّة الأطهار ، وزعموا أنّهم في ذلك تبعوا العامّة في العمل بالرأي والاجتهاد المنهيّ عنه والاستحسان . وليس المقام محلّ إبطال ذلك الزعم ، وإنّما المقصود أنّهم لمّا أرادوا الفرق بين الفتوى والنقل اعتقدوا فساد الأوّل زعما منهم أنّها داخلة في المنهيّ عنه .
--> ( 1 ) انظر الإحكام للآمدي 2 : 115 .