الشيخ الأنصاري

191

مطارح الأنظار ( ط . ج )

وممّا ذكرنا يظهر فساد ما بالغ فيه بعض الأجلّة : من امتناع تعلّق الخطاب بمعناه الحقيقي وتوجّهه نحو المعدوم « 1 » . فإنّ ما ذكره في وجه الامتناع ممّا لا مدخل لكون أداة الخطاب على وجه الحقيقة أو المجاز ، كما هو ظاهر على المتأمّل ، ويظهر الصدق بمراجعة كلامه في فصوله . والذي يقضي بذلك أنّه لا حاجة إلى أمر آخر بعد التنزيل - ولو عند التغليب - من ملاحظة أمر أعمّ لئلا يلزم استعمال اللفظ في معنييه الحقيقيّ والمجازيّ ، بل ولا يعقل الأمر الأعمّ الشامل للمعدومين والموجودين في مدلول أداة الخطاب . والوجه في ذلك : أنّ الخطاب إمّا من الأمور الحادثة بالأداة كما يراه البعض ، أو من الأمور التي يكشف عنها الأداة ، سواء كانت الأداة علامة لها كما في علامة التأنيث والتذكير أو غيرها . وعلى التقادير فهي معان شخصية جزئيّة لا تتحمّل العموم ، كما هو ظاهر لمن تدبّر . نعم ، يصحّ ذلك في مدلول مدخول الأداة ، وأين ذلك من اعتبار العموم في مدلول الأداة ؟ ثمّ إنّ ما ذكرنا إنّما هو بمجرّد الإمكان . وأمّا الوقوع فلا بدّ له من التماس دليل آخر ، ولم نجد ما يقضي به ، فإنّ ما تخيّله البعض من الأدلّة لا يقتضي إلّا الاشتراك في الحكم ، وأمّا أنّ الخطابات القرآنيّة ممّا لوحظ فيها التنزيل المذكور واستعمل اللفظ في المخاطبة للحاضر ولمن هو منزّل منزلته فلم يدلّ عليه دليل . [ هل تشمل الخطابات القرآنية المعدومين والغائبين ؟ ] ثم إنّه قد احتمل بعض المحقّقين في الخطابات القرآنيّة - مع القول باختصاصها بالحاضرين - شمولها للغائبين ، لقيام الكتّاب والمبلّغين واحدا بعد واحد مقام المتكلّم بها ، فلم يخاطب بها إلّا الموجود فكأنّ الكتابة نداء مستمرّ من

--> ( 1 ) انظر الفصول : 180 .