الشيخ الأنصاري

530

مطارح الأنظار ( ط . ج )

حاصله : أنّ فعل الضدّ وترك الضدّ الآخر من المقارنات الاتّفاقيّة نظرا إلى تقارن علّتيهما - يعني علّة وجود أحدهما وعلّة عدم الآخر ، وهما غلبة رجحان داعي الوجود ومرجوحيّة داعي المعدوم - وغفل عن كون هذا التحقيق نفيا للتوقّف رأسا . والثاني : أنّ تقدّم أحد الأمرين على الآخر لا يمكن إلّا إذا كان علّتاهما مختلفتين في الرتبة ، حتّى أنّه إذا فرض مساواة الشيئين في الرتبة امتنع تقدّم معلول أحدهما على الآخر . وحينئذ لا يجوز أن يكون أحد المعلولين مقدّمة لوجود الآخر ، إذ المقدمة سابقة على ذيها رتبة ، والفرض أنّهما في المرتبة سواء ، لاستواء علّتيهما . إذا تحقّق ذلك ، فنقول : إنّه رحمه اللّه جعل علّة وجود أحد الضدّين غلبة الداعي إليه ، وجعل علّة عدم الآخر مرجوحيّة الداعي إليه ، وجعل هاتين العلّتين من المتضايفات التي اعترف بعدم تقدّم أحدهما على الآخر رتبة ، قائلا بأنّ أحدهما متحقّق بعين تحقّق الآخر ، كما هو صريح كلامه . وعلى هذا فالحكم بتوقّف وجود أحد الضدّين على عدم الآخر وكون العدم هذا مقدّمة لوجود الآخر من العجائب ! فالحقّ أنّه لا مدفع للدور على تقدير كون الترك مقدّمة للفعل ، وأنّ جميع ما قيل في دفعه يرجع بالأخرة إلى نفي التوقّف وتحقّقه . نعم ، التفصيل الذي نقلنا في صدر المسألة عند ذكر الأقوال من المحقّق الخوانساري : من أنّ الضدّ إذا كان موجودا كان رفعه مقدّمة لمجيء الآخر ، ممّا أمكن الركون إليه من غير أن يكون فيه دور . وإلى هذا أشار بقوله متّصلا بما حكينا عنه سابقا : وهنا كلام آخر ، وهو : أنّه يجوز أن يقال : إنّ المانع إذا كان موجودا فعدمه ممّا يتوقّف عليه وجود الشيء ، وأما إذا كان معدوما فلا ، نظير ما قال المحقّق الدواني : إنّ عند إمكان اتّصاف شيء بالمانعيّة يكون عدم المانع موقوفا عليه ، وأمّا إذا لم يمكن اتّصاف الشيء بالمانعيّة فلا يكون حينئذ عدم المانع موقوفا عليه ، وعلى هذا لا يلزم على المجيب دور من حمل كلامه على ظاهره أيضا .