الشيخ الأنصاري
439
مطارح الأنظار ( ط . ج )
والإنصاف : أنّ هؤلاء الأفاضل لقد أجادوا فيما أفادوا في الغاية ، إلّا أنّ الأخير منهم قال في معنى الوجوب المذكور : ولا يخفى عليك أنّ ما ذكرنا من تعلّق الخطاب والطلب تبعا بمقدّمة المأمور به ليس من جهة كونها موقوفا عليها للمأمور به ، بل هو أعمّ من استلزام الفعل المأمور به ، حتى أنّ هذا المعنى ثابت أيضا بالنسبة إلى لوازم المأمور به الذي يكون وجودها تبعا لوجود المأمور به لا مقدّما عليه ، كما يحكم به الوجدان « 1 » . قلت : لا إشكال في صحّة انتساب الوجوب إلى اللوازم بنوع من العناية والمسامحة من قبيل إسناد الشيء إلى غير من هو له ، كقولك : « زيد حسن خادمه » فإن أراد أنّ الطلب الحاصل في المقدّمات هو من هذا القبيل فيكون ثبوت الوجوب وتعلّقه بالمطلوب الذاتي واسطة في عروض الطلب وصحّة انتسابه إليه مجازا ، فهو ليس في محلّه ؛ لما تقدّم أنّ الوجوب الثابت للمقدّمة إنّما هو معنى آخر فوق ذلك المعنى . وإن أراد أنّ المعنى الثابت في المقدّمة إنّما هو ثابت في اللوازم التابعة للمأمور به وإن لم يتوقّف عليها نظرا إلى مجرّد استلزام تركها تركه - كما يظهر من استدلاله على ذلك فيما تقدّم - ففيه : أنّ الذي نجده من أنفسنا أنّ مدار ثبوت هذا المعنى من الوجوب هو التوقّف والتقدّم لا مجرّد استلزام الترك للترك ، كما لا يخفى على المتأمّل . ومع ذلك فالمتّهم فهمنا ، لاحتمال أن يكون الفرق الّذي نجده في أنفسنا بينهما باعتبار شدّة تلك الحالة وضعفها في المقامين ، إلّا أنّه بعيد غاية بعد فرض اتّحاد المناط . وهذا تمام الكلام في احتجاج القائلين بالوجوب ، وربما يستندون إلى وجوه أخر ، كلّها مزيّفة لا حاجة إلى ذكرها وذكر ما فيها .
--> ( 1 ) حكاه الخوانساري في الرسالة : 127 .