الشيخ الأنصاري
216
مطارح الأنظار ( ط . ج )
ثمّ إنّه لا شكّ في دخول مقدّمة الوجود في النزاع وخروج مقدّمة الوجوب ؛ إذ لا يعقل أن يكون مقدّمة الوجوب واجبة ، لأنّ وجوب ذيها متفرّع على وجودها ، فما لم يوجد لم يتحقّق وجوب ، وعلى تقدير وجوده لا يعقل وجوبه ؛ لامتناع طلب الحاصل . ولا فرق في ذلك بين أن يكون مقدّمة الوجوب فقط أو كانت مع ذلك مقدّمة للوجود أيضا . ولا كلام في دخول مقدّمة الصحّة أيضا . وهل المقدّمة العلميّة داخلة في حريم الخلاف مطلقا ؟ أو فيما إذا كانت خارجة عن حقيقة الواجب ولم يحتمل أن يكون هو الواجب ، كمسح جزء من الكعبين وغسل جزء من الرأس وما فوق المرفق للعلم بحصول الواجب منها ؟ وأمّا إذا كانت المقدّمة العلميّة ممّا يحتمل مدخليّتها في حقيقة الواجب شرطا أو شطرا ومن جهة احتمال كونها نفس الواجب فلا خلاف فيها ، لأنّها من موارد القاعدة الّتي قد أجمع الكلّ عليها : من أنّ الشغل اليقيني يقتضي البراءة اليقينيّة ، أو تكون خارجة عن النزاع مطلقا لقطع العقل بوجوبها مطلقا ؟ وجوه بل وأقوال . والتحقيق أن يقال : إنّه لا ينبغي النزاع في المقدّمة العلميّة مطلقا ، بل ينبغي أن يكون وجوبها مفروغا عنه على تقدير وعدم وجوبها كذلك على تقدير آخر . وتوضيح ذلك : أنّ الوجوب المتنازع فيه في المقام إن كان المراد به ما يترتّب على فعل الواجب المتّصف به الثواب وعلى تركه العقاب - كما زعمه بعضهم « 1 » - فينبغي أن لا يكون المقدّمة العلميّة محلّا للنزاع في عدم وجوبها . وإن كان المراد به الطلب الحتمي الّذي يكشف عنه العقل - على وجه يكفي في حامل التكليف نفس حكم العقل من دون مدخليّة لما يترتّب عليه من الثواب والعقاب - فالمقدّمة العلميّة ممّا لا ينبغي النزاع في وجوبها .
--> ( 1 ) الفصول : 87 ، وراجع تفصيله في ضوابط الأصول : 83 .