الشيخ الأنصاري

213

مطارح الأنظار ( ط . ج )

تلك الصفة منه ، فإنّ العلّة التامّة مقدّمة مثلا ، وبعد انتزاع ذلك العنوان منه يتّصف بالمطلوبيّة عند العقل ويتعلّق به الطلب ، وكذا أجزاء العلّة التامّة ، فإنّ كلّ واحد منها منفردا أو ملحوظا مع غيره ممّا يصح انتزاع وصف المقدّميّة منه ، فيصير موردا للطلب . وكذا الكلام في السبب وأجزائه وشرائطه وفي المقتضي والشرط أيضا . وحلّ ذلك : أنّه لا مانع من تكرار الطلب على الوجه المذكور ؛ إذ ليس ذلك انشاء جديدا متعلّقا بالمقدّمة في جميع مراتب اختلافها ليلزم التكرار على وجه يغني وجوده في مرتبة منها عنه في ساير المراتب ، بل التحقيق : أنّ العقل بعد إدراك وجوب شيء يحكم حكما إجماليّا بثبوت الملازمة بين وجوب ذلك الشيء وبين وجوب ما يتوقّف عليه وجود ذلك الشيء من المقدّمات ؛ فكما أنّ اتّصاف تلك الأمور بعنوان المقدّميّة مكرّرا ممّا لا ضير فيه ، فكذلك اتّصافها بالمطلوبيّة . والسرّ في ذلك : أنّ المطلوبيّة المقدّميّة كنفس المقدّميّة ونحوها ، عنوانات انتزاعيّة اعتباريّة يعتبرها العقل في تلك الأمور بملاحظة توقّف شيء عليها أو غيرها ، فكلّما لاحظ العقل أمرا يتوقّف عليه المطلوب ينتزع منه المطلوبيّة الّتي حكم بها بواسطة توقّف المطلوب عليه ، فتارة يلاحظ أمرا واحدا ، وتارة مشاركا مع غيره على وجوه اختلاف صور المشاركة ، فليس هناك طلب آخر غير ما تعلّق بذي المقدّمة ، بل إنّما تعلّقه به صار واسطة لانتزاع العقل تلك الأوصاف المتعدّدة بحسب الاعتبارات المتّحدة بحسب الذات من محالّها بحسب اعتبارات عقليّة متعدّدة . ونظير ذلك ما إذا قيل باستفادة العموم الجمعي من الجمع المحلّى باللام ، فإنّ الجماعات المتصوّرة في ذلك الجمع متكرّرة بواسطة اختلاف اعتبار آحادها ، فإذا قيل : « أكرم الناس » ولاحظنا زيدا مع بكر وخالد يجب إكرامهم مثلا ، وإذا لاحظناه مع خالد وعمرو أيضا يجب إكرامهم ، مع أنّه لا يتكرّر الطلب بالنسبة إلى زيد . والوجه في ذلك أيضا ما عرفت : من أنّ المنشأ لذلك أمر واحد ، واختلاف العنوانات والاعتبارات ممّا لا يوجب اختلاف ذلك المنشأ .