الشيخ الأنصاري
151
مطارح الأنظار ( ط . ج )
هذا إذا قلنا بأنّ جعل الطريق إنّما هو في حال الانفتاح . وأما في حال الانسداد فالأمر فيه أوضح ؛ إذ الوجه في الانسداد هو عدم موافقة العباد للحجّة عليه السّلام كما قرّر في محلّه « 1 » فلا يجب على الحكيم إيصالهم إلى المصالح الواقعيّة ، فإنّهم هم السبب في امتناع ذلك في حقّهم ، فقضية اللطف لا مجرى لها في حال الانسداد . ويكفي حينئذ في مصلحة الجعل كون الطريق مطابقا لما هو الطريق إليه في الأغلب أو في الغالب ، فلا يكون الأخذ بالطريق مشتملا على المصلحة الزائدة على مصلحة الواقع ، فلا محذور . وقد يجاب عن محذور التصويب في المقام : بأنّ الشارع الحكيم لمّا كان عالما بأنّ اقتصار المكلّفين على الأحكام الواقعيّة - بأن لا يجوز لهم تناول اللحم إلّا بعد العلم بكونه حلالا واقعيا لا يدانيه ريبة الحرمة - مما يوجب مفاسد شتّى ولو بواسطة ضيق يشاهد في دار التكليف وعدم اتّساع عالم المكلّفين لذلك ووقوعهم في محاذير أخر من جهات أخرى ، فلا ضير في جعل الأمارات التي قد تتخلّف عن الأحكام الواقعيّة نظرا إلى إدراك « 2 » تلك المصالح عند جعل تلك الأمارات . وهذا هو المراد مما عسى أن يقال في المقام ، من أنّ التسهيل في أمر العباد يقتضي جعل تلك الطرق . وقد يقال : إنّ الشارع قد منّ على عباده بجعل تلك الطرق وعفى عن الواقع ولم يوجب عليهم تحصيله . وكلا الوجهين ممّا لا ينبغي أن يصغى إليه : أمّا الأوّل ، فلأنّ التسهيل لو كان من الوجوه التي يختلف بها الأحكام الواقعيّة ويقتضي جعل حكم على طبقه ، فالأولى أن يكون وجها لإسقاط الواقع ؛ فإنّ مجرّد المصلحة في وجود الشيء لا يقضي بالأمر به ، بل لا بدّ مع ذلك من عدم
--> ( 1 ) انظر كشف المراد : 361 - 362 ، والقوانين 1 : 353 . ( 2 ) في « م » بدل « إدراك » : « تدارك » .