صائب عبد الحميد
234
منهج في الإنتماء المذهبي
كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نقتل آباءنا ، وأبناءنا وإخواننا ، وأعمامنا ، ما يزيدنا ذلك إلا إيمانا وتسليما ومضيا على اللقم ( 1 ) وصبرا على مضض الألم ، وجد في جهاد العدو . . . فلما رأى الله صدقنا أنزل بعدونا الكبت ( 2 ) ، وأنزل علينا النصر ، حتى استقر الإسلام ملقيا جرانه ( 3 ) ، ومتبوءا أوطانه . ولعمري لو كنا نأتي ما أتيتم ما قام للدين عمود ، ولا اخضر للإيمان . عود . . . " ( 4 ) . وقال عليه السلام مرة يصفهم ويذكر بعظيم منزلتهم ، ويأسف على فقدهم : " لقد رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه وآله ، فما رأى أحدا يشبههم منكم ! لقد كانوا يصبحون شعثا غبرا وقد باتوا سجدا وقياما ، يراوحون بين جباههم وخدودهم ، ويقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم . كأن بين أعينهم ركب المعزى من طول سجودهم . إذا ذكر الله هملت أعينهم حتى تبل جيوبهم ، ومادوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف ، خوفا من العقاب ، ورجاء للثواب " ( 5 ) . وقال عليه السلام وهو يتحرق شوقا إليهم : " أين إخواني الذين ركبوا الطريق ومضوا على الحق ؟ أين عمار ؟ وأين ابن التيهان ( 6 ) ؟
--> ( 1 ) اللقم : معظم الطريق أو جادته . ( 2 ) الكبت : الإذلال . ( 3 ) إلقاء الجران : كناية عن التمكن . ( 4 ) نهج البلاغة بتحقيق صبحي الصالح : 91 - 92 . ( 5 ) المصدر : 143 - 97 - الفقرة الأخيرة . ( 6 ) هو الصحابي الجليل أبو الهيثم مالك بن التيهان الأنصاري : كان ينبذ الأصنام قبل الإسلام ، ويقول بالتوحيد ، وهو أول من أسلم من الأنصار بمكة ، وأحد الستة الذين لقوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مكة ، وأحد النقباء الاثني عشر ، وأحد السبعين ، شهد بدرا والمشاهد كلها ، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يبعثه خارصا - يقدر ما على النخل من تمر - فلما كان عهد أبي بكر بعثه فأبى ، وقال : إني كنت إذا خرصت لرسول الله فرجعت ، دعا لي . وكان مع علي عليه السلام يوم الجمل وله فيها أرجاز ذكرناها في حديث الدار وإثبات الوصية ، وشهد معه صفين أيضا ، وفيها استشهد رضوان الله عليه ، فقالت أمينة الأنصارية ترثيه : منع اليوم أن أذوق رقادا * مالك إذ مضى ، وكان عمادا يا أبا الهيثم بن تيهان إني * صرت للهم معدنا ووسادا وبهذا يثبت بطلان ما زعمه الذهبي وابن سعد في إصرارهما على قول الواقدي : إن وفاته كانت سنة 20 هجرية في خلافة عمر بن الخطاب . ومما يشهد ببطلان هذا الزعم أيضا ، ما أثبته أهل التاريخ من مواقف مشهورة لأبي الهيثم بن التيهان أيام البيعة لأمير المؤمنين بالخلافة ، ويوم بدا نقض البيعة من الزبير وطلحة ومروان والوليد بن العقبة ، ويوم الجمل ، ويوم صفين إذ كان يسوي صفوف الجيش ويخطب بهم يحثهم على الجهاد بين يدي أمير المؤمنين عليه السلام : انظر شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ( 1 : 220 و 2 : 51 و 4 : 8 و 5 : 190 و 7 : 36 ، 39 و 20 : 19 ) وهو الذي اختاره ابن حجر فقال : وقيل قتل في صفين وهو الأكثر . ( الإصابة 7 : 209 / 1188 ) . وانظر الأبيات المذكورة في رثائه في كتاب وقعة صفين : 365 .